محمد متولي الشعراوي
9287
تفسير الشعراوي
ومخارج محكمة دقيقة تعمل ميكانيكياً ، ولا تتوقف ولا تتعطل لمدة 140 أو 120 سنة ، تعمل تلقائياً حتى وأنت نائم ، فأيّ آلة يمكن أنْ تُؤدِّي هذه المهمة ؟ والحق سبحانه وتعالى عندما أرسل موسى وهارون بآية دالة على صدقهما إلى فرعون كانت مهمتهما الأساسية أَخْذ بني إسرائيل ، وإنقاذهم من طغيان فرعون ، وجاءت المسألة الإيمانية تبعية ، أما أصل مهمة موسى فكان : { فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ } [ طه : 47 ] . والحق سبحانه حين يعرض قضية الإيمان يعرضها مبدوءة بالدليل دليل البدء الذي جاء في قوله تعالى : { قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى } [ طه : 50 ] لأن ، فرعون الذي ادعى الألوهية لا بُدَّ أن يكون له مألوهون ، وهم خَلْق مثله ، وهو يعتزّ بملكه وماله من أرض مصر ونيلها وخيراتها حتى قال : { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي } [ الزخرف : 51 ] . فأراد الحق سبحانه وتعالى أنْ يرد عليه : ألَكَ شيء في خَلْق هؤلاء المألوهين لك ؟ وما أشبهَ موقف فرعون أمام هذه الحجة بموقف النمروذ أمام نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما قال له : { رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ } [ البقرة : 258 ] . فلم يجد النمروذ إلا الجدل والسفسطة ، فلجأ إلى حيلة المفلسين ، وجاء برجلين فقال : أنا أحكم على هذا بالموت وأعفو عن هذا ؛ لذلك لما أحسَّ إبراهيم عليه السلام منه المراوغة والجدال نقله إلى مسألة لا يستطيع منها فكاكاً .