محمد متولي الشعراوي
9021
تفسير الشعراوي
يُطفئ ما أوقدوه من نار ، لكن ليست نكاية القوم في هذا ، فلو أفلتَ إبراهيم من قبضتهم ، أو نزل المطر فأطفأ النار لقالوا : لو كُنَّا تمكنّا منه لفعلنا كذا وكذا ، ولو لم ينزل المطر لفعلنا به كذا وكذا . إذن : شاءت إرادة الله أنْ تكيد هؤلاء ، وأن تُظهِر لهم طلاقة القدرة الإلهية فتُمكّنهم من إبراهيم حتى يلقوه في النار فعلاً ، ثم يأتي الأمر الأعلى من الخالق سبحانه للنار أن تتعطل فيها خاصية الإحراق : { قُلْنَا يا نار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ } [ الأنبياء : 69 ] . وكذلك في قصة رحمة الله لعبده زكريا تعطينا دليلاً على طلاقة القدرة في مسألة الخَلْق ، وليلفتنا إلى أن الخالق سبحانه جعل للكون أسباباً ، فمَنْ أخذ بالأسباب يصل إلى المسبِّب ، ولكن إياكم أنْ تُفتَنوا في الأسباب ؛ لأن الخالق سبحانه قد يعطيكم بالأسباب ، وقد يُلغيها نهائيا ويأتي بالمسبِّبات دون أسباب . وقد تجلَّتْ طلاقة القدرة في قصة بَدْء الخَلْق ، فنحن نعلم أن جمهرة الناس وتكاثرهم يتم عن طريق التزاوج بين رجل وامرأة ، إلا أن طلاقة القدرة لا تتوقف عند هذه الأسباب والخالق سبحانه يُدير خلقه على كُلِّ أوجه الخَلْق ، فيأتي آدم دون ذكر أو أنثى ، ويخلق حواء من ذكر دون أنثى ، ويخلق عيسى من أنثى بدون ذكر . فالقدرة الإلهية إذن غير مُقيَّدة بالأسباب ، وتظلّ طلاقة القدرة هذه في الخَلْق إلى أنْ تقومَ الساعة ، فنرى الرجل والمرأة زوجين ، لكن لا يتم بينهما الإنجاب وتتعطل فيهما الأسباب حتى لا نعتمد على الأسباب وننسى المسبِّب سبحانه ، فهو القائل : { لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ