محمد متولي الشعراوي
9277
تفسير الشعراوي
لأنك تخلعه مما اعتاد وألف ، وتُخرجه عَمَّا أحبَّ من حرية واستهتار في الشهوات والملذات ، ثم تُقيِّده بالمنهج ، فليكُنْ ذلك برفق ولُطْف . وهذه سياسة يستخدمها البشر الآن في مجال الدواء ، فبعد أن كان الدواء مُرّاً يعافُه المرضى ، توصلوا الآن إلى برشمة الدواء المر وتغليفه بطبقة حلوة المذاق حتى تتم علمية البَلْع ، ويتجاوز الدواء منطقة المذاق . وكذلك الحال في مرارة الحق والنصيحة ، عليك أنْ تُغلِّفها بالقول اللين اللطيف . وقوله : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] لعل : رجاء ، فكيف يقول الحق تبارك وتعالى : { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] وفي عِلْمه تعالى أنه لن يتذكَّر ولن يخشى ، وسيموت كافراً غريقاً ؟ قالوا : لأن الحق سبحانه يريد لموسى أن يدخل على فرعون دخول الواثق من أنه سيهتدي ، لا دخولَ اليائس من هدايته ، لتكون لديه الطاقة الكافية لمناقشته وعَرْض الحجج عليه ، أمّا لو دخل وهو يعلم هذه النتيجة لكان محبطاً لا يرى من كلامه فائدة ، كما يقولون ( ضربوا الأعور على عينه قال خسرانه خسرانه ) . فالحق سبحانه يعلم ما سيكون من أمر فرعون ، لكنْ يريد أنْ يقيمَ الحجة عليه { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } [ النساء : 165 ] . وقوله : { يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } [ طه : 44 ] كأن الإنسان إذا ما ترك شراسة تفكيره ، وغُمة شهواته في نفسه ، لا بُدَّ أنْ يهتدي بفطرته