محمد متولي الشعراوي

9272

تفسير الشعراوي

يَكْفُلُهُ } [ طه : 40 ] وهذا الترتيب لا يقدر عليه إلا الله . ويقول تعالى : { فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ } [ طه : 40 ] حين نستقرىء مادة ( رجع ) في القرآن نجدها تأتي مرة لازمة كما في : { وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ } [ الأعراف : 150 ] وتأتي متعدية كما في : { فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ } [ طه : 40 ] وفي : { فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ } [ التوبة : 83 ] . والفَرْق بين اللازم والمتعدِّي أن اللازم رجع بذاته ، أمّا المتعدي فقد أرجعه غيره ، فالرجوع أن تصير إلى حال كنتَ عليها وتركتها ، فإنْ رجعت بنفسك دون دوافع حملتْك على الرجوع فالفعل لازم ، فإنْ كانت هناك أمور دفعتْك للرجوع فالفعل مُتعَدٍّ . ومثل رجعك : أرجعك ، إلا أن رجعك : الرجوع في ظاهر الأمر منك من دون دوافع منك . وأرجعك : أي رَغْماً عن إرادتك . وقوله : { كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها } [ طه : 40 ] تقرُّ العين أي : تثبت ؛ لأن التطلعات إما أن تكون معنوية أو حِسِّية ، فالإنسان لديه أمانٍ يتطلع إلى تحقيقها ، فإذا ما تحققت نقول : لم يعُدْ يتطلع إلى شيء . وكذلك في الشيء الحسِّيِّ ، فالعرب يقولون للشيء الجميل : قيد النواظر . أي : يقيد العين فلا تتحول عنه ؛ لأن الإنسان لا يتحول عن الجميل إلا إذا رأى ما هو أجمل ، وهذا ما يسمونه قُرَّة العين . يعني الشيء الحسن الذي تستقر عنده العين ، ولا تطلب عليه مزيداً في الحُسْن . ثم يقول تعالى : { وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً } [ طه : 40 ] وهذه مِنَّة أخرى من مِنَن الله تعالى على موسى عليه السلام ، فمِنَنُ الله عليه كثيرة كما قال : { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى } [ طه : 37 ] فهي مرة ، لكن هناك مرات .