محمد متولي الشعراوي
9235
تفسير الشعراوي
فالمصطفى من الملائكة يتقبَّل من الله ، ويعطي للمصطفى من البشر ؛ لأن الأعلى لا يمكن أنْ يلتقي بالأدنى مباشرة { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ } [ الشورى : 51 ] . فاستعداد الإنسان وطبيعته لا تُؤهّله لهذا اللقاء ، كيف ولما تجلَّى الحق سبحانه للجبل جعله دَكّاً ، ومن عظمته سبحانه أننا لا نراه ولا نتكلم معه مباشرة ، ولا نُحِسّه بأيّ حاسة من حواسنا ، ولو حُسَّ الإله بأيِّ حاسة ما استحق أنْ يكونَ إلهاً . وكيف يُحَسُّ الحق تبارك وتعالى ومن خَلْقه وصَنْعته مَا لا يُحَسُّ ، كالروح مثلاً ؟ فنحن لا نعلم كُنْهها ، ولا أين هي ، ولا نُحِسّها بأيّ حاسّة من حواسنا ، فإذا كانت الروح المخلوقة لم نستطع أنْ ندركها ، فكيف ندرك خالقها ؟ الحق الذي يدَّعيه الناس ويتمسَّحون فيه ، ويفخر كل منهم أنه يقول كلمة الحق ، وكذلك العدل وغيرها من المعاني : أتدركها ، أتعرف لها شكلاً ؟ فكيف إذن تطمع في أنْ تدرك الخالق عَزَّ وَجَلَّ ؟ إذن : من عظمته سبحانه أنه لا تدركه الحواس ، ولا يلتقي بالخَلْق لقاءً مباشراً ، فالمصطفى من الملائكة يأخذ عن الله ، ويعطي للمصطفى من الخَلْق ، ثم المصطفى من الخَلْق يعطي للخَلْق ، ومع ذلك كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يجهد ، ويتصبَّب جبينه عَرَقاً في أول الوحي ؟ ولذلك شاء الحق سبحانه أنْ يحجبَ الوحي عن رسوله فترة ليستريح من مباشرة المَلِك له ، وبانقطاع الوحي تبقى لرسول الله