محمد متولي الشعراوي

9011

تفسير الشعراوي

وكأن الحق سبحانه يقول لنا : لقد استنفدتم وسائلكم في الدنيا ، وبلغتم أقصى ما يمكن من مُتَعِها وزينتها ، فتعالوا إلى ما أعددتُه أنا لكم ، اتركوا ما كنتم فيه من أسباب الله ، وتعالوا عِيشُوا بالله ، كنتم في عالم الأسباب فتعالوْا إلى المسبِّب . وإنْ كان الحق سبحانه قد تكلم في هذه الآية عن المداد الذي تُكتب به كلمات الله ، فقد تكلَّم عن الأقلام التي يكتب بها في آية أخرى أكثر تفصيلاً لهذه المسألة ، فقال تعالى : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله } [ لقمان : 27 ] . ونقف هنا عند دِقَّة البيان القرآني ، فلو تصوَّرنا ما في الأرض من شجر أقلام ، مع ما يتميز به الشجر من تجدُّد مستمر ، وتكرُّر دائم يجعل من الأشجار ثروة لا حَصْر لها ولا تنتهي ، وتصوَّرنا ماء البحر مداداً يُكتب به إلا أنّ ماء البحر منذ خلقه الله تعالى محدود ثابت لاَ يزيد ولا ينقص . لذلك لما كان الشجر يتجدَّد ويتكرَّر ، والبحر ماؤه ثابت لا يزيد . قال سبحانه : { والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } [ لقمان : 27 ] ليتناسب تزايد الماء مع تزايد الشجر ، والمراد سبعة أمثاله ، واختار هذا العدد بالذات ؛ لأنه مُنتَهى العدد عند العرب . وقد أوضح لنا العلم دورة الماء في الطبيعة ، ومنها نعلم أن كمية الماء في الأرض ثابتة لا تزيد ؛ لأن ما يتم استهلاكه من الماء يتبخّر ويعود من جديد فالإنسان مثلاً لو شَرِب طيلة عمره مائة طن من الماء ، فاحسب ما يخرج منه من بول وعرق وفضلات في عملية الإخراج تجدها نفس الكمية التي شربها ، وقد تبخرتْ وأخذَتْ دورتها من جديد ؛ لذلك يقولون : رُبَّ شربةِ ماء شربها من آدم الملايين .