محمد متولي الشعراوي
9157
تفسير الشعراوي
وكما سلب الله طبيعة الماء في قصة موسى عليه السلام فتجمد وتوقفت سيولته ، حتى صار كل فِرْقٍ كالطوْد العظيم ، فهو سبحانه القادر على تغيير طبائع الأشياء . إذن : لا مانع من دخول المؤمنين النارَ على طريقة إبراهيم عليه السلام { قُلْنَا يا نار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ } [ الأنبياء : 69 ] . ثم يُنجِّي الله المؤمنين ، ويترك فيها الكافرين ، فيكون ذلك أنْكَى لهم وأغيظ . ثم يقول تعالى : { كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } [ مريم : 71 ] الحتْم : هي الشيء الذي يقع لا محالةَ ، والعبد لا يستطيع أنْ يحكم بالحتمية على أيّ شيء ؛ لأنه لا يملك المحتوم ولا المحتوم عليه . فقد تقول لصديقك : أحتم عليك أنْ تزورني غداً ، وأنت لا تملك من أسباب تحقيق هذه الزيارة شيئاً ، فمَنْ يدريك أن تعيشَ لغد ؟ ومَنْ يدريك أن الظروف لن تتغير وتحُول دون حضور هذا الصديق ؟ إذن : أنت لا تحتم على شيء ، إنما الذي يُحتِّم هو القادر على السيطرة على الأشياء بحيث لا يخرج شيء عن موارده . فإنْ قلتَ : فمَنِ الذي حتَّم على الله ؟ حتَّم الله على نفسه تعالى ، وليست هناك قوة أخرى حتَّمتْ عليه ، كما في قوله تعالى : { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } [ الأنعام : 54 ] . ثم يؤكد هذا الحتم بقوله : { مَّقْضِيّاً } [ مريم : 71 ] أي : حكم لا رجعةَ فيه ، وحُكْم الله لا يُعدِّله أحد ، فهو حكم قاطع . فمثلاً : حينما قال كفار مكة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة ، يريدون أنْ يتعايش الإيمان والكفر .