محمد متولي الشعراوي
9139
تفسير الشعراوي
صدورهم من غِلٍّ ومن حسد ومن حقد ، فلا يحقد أحدٌ على أحد أفضل مرتبة منه ، ولا يشتهي من نعيم الجنة إلا على قَدْر عمله ودرجته ، فإنْ رأى مَنْ هو أفضل منه درجةً لا يجد في نفسه غِلاً منه ، أو حِقْداً عليه ؛ لأن موجب الغِلِّ في الدنيا أنْ ترى مَنْ هو أفضل منك . أما في الآخرة فسوف ترى هذه المسألة بمنظار آخر ، منظار النفس الصافية التي لا تعرف الغلَّ ، قال تعالى : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [ الحجر : 47 ] . فإنْ رأيت مَنْ هو أعلى منك درجةً فسوف تقول : إنه يستحق ما نال من الخير والنعيم ، فقد كان يجاهد نفسه وهواه في الدنيا . ويكفي في وَصْف ما في الجنة من الرزق والنعيم قوله تعالى : { فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين } [ الزخرف : 71 ] . وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : « فيها ما لا عَيْن رأت ، ولا إذن سمعتْ ، ولا خطر على قلب بشر » . إذن : ففي الجنة أشياء لا تقع تحت إدراكنا ؛ لذلك ليس في لغتنا ألفاظ تُعبِّر عن هذا النعيم ؛ لأنك تضع في اللغة اللفظ الذي أدركتَ معناه ، وفي الجنة أشياء لا تدركها ولا عِلْمَ لك بها ؛ لذلك حينما يريد الحق تبارك وتعالى أن يصِفَ لنا نعيم الجنة بصفة بما نعرف من نعيم الدينا : نخل وفاكهة ورمان ولحم طير وريحان . ويقول : { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ