محمد متولي الشعراوي
9130
تفسير الشعراوي
بها وسُرِرْتَ فهذا « وجدان » ، فإنْ مددْتَ يدك لتقطفها فهذا « نزوع » . والشرع لا يحاسبك على الإدراك ولا على الوجدان ، لكن حين تمد يدك لقطف هذه الوردة نقول لك : قفْ فهذه ليست لك ، ولا يمنعك الشارع ويتركك ، إنما يمنعك ويوحي لك بالحلِّ المناسب لنزوعك ، فعليك أنْ تزرع مثلها ، فتكون مِلْكاً لك أو على الأقل تستأذن صاحبها . كذلك الحال فيمن تسمّع لكلام الله وقرآنه يدرك القرآن بسمعه فينشأ عنه حلاوة ومواجيد في نفسه ، وهذا هو الوجدان الذي ينشأ عنه انفعال نُزوعي ، فلا يجد إلا أنْ يخر ساجداً لله تعالى . والنزوع هنا لم يُكنْ نزوعاً ظاهرياً بل وأيضاً داخلياً ، ففاضت أعينهم بالدمع { سُجَّداً وَبُكِيّاً } [ مريم : 58 ] . وقد عُولج هذا المعنى في عِدّة مواضع أُخَر ، كما في قوله تعالى : { قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً } [ الإسراء : 107 ] . ومعنى : للأذقان : مبالغة في الخضوع والخشوع واستيفاء السجود ؛ لأن السجود يكون أولاً على الجبهة ثم الأنف لكن على الأذقان ، فهذا سجود على حَقٍّ ، وليس كنقْر الديكَة كما يقولون . إذن : فأهل الكتاب كانوا على علم ببعثة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ، وأنه سيأتي بالقرآن على فَتْرة من الرسل ، وها هم الآن يسمعون القرآن ؛ لذلك يقولون : { سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } [ الإسراء : 108 ] . ومن النزوع الانفعالي أيضاً قوله تعالى عن أهل الكتاب : { وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق } [ المائدة : 83 ] .