محمد متولي الشعراوي

9112

تفسير الشعراوي

عِشْقه للتكليف أتمها عليه : { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً } [ البقرة : 124 ] فتثور مسألة الإمامة في نفس إبراهيم ، ويطمع أنْ تكونَ في ذريته من بعده فيقول : { وَمِن ذُرِّيَّتِي } [ البقرة : 124 ] لذلك يُعدِّل الحق سبحانه فكرة إبراهيم عن الإمامة ، ويضع المبدأ العام لها ، فهي ليستْ ميراثاً ، إنها تكليف له شروط . { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة : 124 ] . فالظالمون لا يصلحون لهذه المهمة . فوعي إبراهيم عليه السلام هذا الدرس ، وأخذ هذا المبدأ ، وأراد أنْ يحتاط به في سؤاله لربه بعد ذلك ، فلما دعا ربه : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات } [ البقرة : 126 ] فاحتاط لأنْ يكونَ في بلده ظالمون ، فقال : { مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بالله واليوم الآخر } [ البقرة : 126 ] . لكن جاء قياس إبراهيم هنا في غير محله ، فعدَّل الله له المسألة ؛ لأنه يتكلم في أمر خاص بعطاء الربوبية الذي يشمل المؤمنَ والكافر ، والطائعَ والعاصي ، فقد ضمن الله الرزق للجميع فلا داعي للاحتياط في عطاء الربوبية ؛ لذلك أجابه ربه : { قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير } [ البقرة : 126 ] . إذن : فهناك فارق بين العطاءين : عطاء الربوبية وعطاء الألوهية ، والإمامية في منهج الله ، فعطاء الربوبية رِزْق يُسَاق للجميع وخاضع للأسباب ، فمَنْ أخذ بأسبابه نال منه مَا يريد ، أما عطاء الألوهية فتكليف وطاعة وعبادة . يقول تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ } [ الشورى : 20 ] .