محمد متولي الشعراوي
9107
تفسير الشعراوي
والغوغائية لا يحكمها عقل ولا منطق ، والجمهور كما يقولون : عقله في أذنيه . وسبق أن قلنا : إن كليوباترا حين هُزِمت وحليفها صَوّروا هذه الهزيمة على أنها نصر ، كما حدث كثيراً على مَرِّ التاريخ ، وفيها يقول الشاعر : أسْمَعُ الشَّعْب دُيُونُ . . . كيْفَ يُوحُونَ إليْه مَلأَ الجوَّ هِتافاً . . . بحياتيْ قاتِليْه أثَّر البُهتانُ فيه . . . وَانْطلَي الزُّورُ عليْه يَالَهُ مِنْ بَبَّغَاءٍ . . . عقلُه في أُذُنيْه إذن : فالجمهرة لا تُبدي رأياً ، ولا تصل إلى صواب . يقول الحق سبحانه للمعاصرين لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : { قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ } [ سبأ : 46 ] . فبَحْث مثل هذا الأمر يحتاج إلى فرديْن يتبادلان النظر والفِكْر والدليل ويتقصيَّان المسألة ، فإنْ تغلّب أحدهما على الآخر كان الأمر بينهما دون ثالث يمكن أنْ يشمتَ في المغلوب ، أو يبحثه فرد واحد بينه وبين نفسه فينظر في شخص رسول الله ، وما هو عليه من أدب وخُلق ، وكيف يكون مع هذا مجنوناً ؟ وهل رأينا عليه أمارات الجنون ؟ والذين قالوا عنه : ساحر لماذا لم يسحرهم كما سحر التابعين له ؟ إذن : لو أدار الشخص الواحد هذه الحقائق على ذِهْنه ، واستعرض الآراء المختلفة لاهتدى وحده إلى الصواب ، فالاعتزال أمر مطلوب إنْ وجد الإنسان البيئة غير صالحة لنقاش الباطل مع الحق لا نُؤصِّل الجدل والعناد في نفس الخَصْم .