محمد متولي الشعراوي
8356
تفسير الشعراوي
بهذا المعنى يستوي في القهر المؤمن والكافر ، إذن : كل الخَلْق عبيد فيما لا اختيارَ لهم فيه . ثم بعد ذلك نستطيع أن نُقسّمهم إلى قْسمين : عبيد يظلون عبيداً لا يدخلون في مظلة العباد ، وعبيد تسمو بهم أعمالهم وانصياعهم لأمر الله فيدخلون في مظلة عباد الله . كيف ذلك ؟ لقد جعل الله تعالى لك في أفعالك منطقة اختيار ، فجعلك قادراً على الفِعْل ومقابله ، وخلقك صالحاً للإيمان وصالحاً للكفر ، لكنه سبحانه وتعالى يأمرك بالإيمان تكليفاً . ففي منطقة الاختيار هذه يتمايز العبيد والعباد ، فالمؤمنون بالله يخرجون عن اختيارهم إلى اختيار ربهم ، ويتنازلون عن مُرادهم إلى مُراد ربهم في المباحات ، فتراهم يُنفِّذون ما أمرهم الله به ، ويجعلون الاختيار كالقهر . ولسان حالهم يقول لربهم : سمعاً وطاعة . وهؤلاء هم العباد الذين سَلّموا جميع أمرهم لله في منطقة الاختيار ، فليس لهم إرادة أمام إرادة الله عَزَّ وَجَلَّ . إذن : كلمة عباد تُطلق على مَنْ تنازل عن منطقة الاختيار ، وجعل نفسه مقهوراً لله حتى في المباحات . أما الكفار الذين اختاروا مُرادهم وتركوا مُراد الله ، واستعملوا اختيارهم ، ونسوا اختيار ربهم ، حيث خَيَّرَهم : تُؤمن أو تكفر قال : أكفر ، تشرب الخمر أو لا تشرب قال : أشرب ، تسرق أو لا تسرق ، قال : أسرق . وهؤلاء هم العبيد ، ولا يقال لهم « عباد » أبداً ؛ لأنهم لا يستحقون شرف هذه الكلمة .