محمد متولي الشعراوي
8372
تفسير الشعراوي
فالعقوبة على الذنب التي تُبرّئ المذنب من عذاب الآخرة ما كان في حِضْن الإسلام ، وإلاَّ لاَسْتوى مَنْ أقيم عليه الحدّ مع مَنْ لم يُقمْ عليه الحد . فلو سرق إنسان وقُطِعَتْ يده ، وسرق آخر ولم تُقطع يده ، فلو استَووْا في عقوبة الآخرة ، فقد زاد أحدهما عن الآخر في العقوبة ، وكيف يستوي الذي قُطِعَتْ يده . وعاش بِذلّتها طوال عمره مع مَنْ أفلت من العقوبة ؟ هذا إنْ كان المذنب مؤمناً . أما إذا كان المذنب غير مؤمن فالأصل الذي بنينا عليه هذا الحكم ضائع لا وجودَ له ، وعقوبة الدنيا هنا لا تُعفي صاحبها من عقوبة الآخرة ؛ لذلك يقول تعالى بعدها : { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً } [ الإسراء : 8 ] { جَعَلْنَا } فِعْل يفيد التحويل ، كأن تقول : جعلت العجين خبزاً ، وجعلت القطن ثوباً ، أي : صيَّرْتُه وحوَّلْتُه . فماذا كانت جهنم أولاً فيُحوّلها الحق سبحانه حصيراً ؟ قوله تعالى : { جَعَلْنَا } في هذه الآية لا تفيد التحويل ، إنما هي بمعنى خَلَقْنا ، أي : خلقناها هكذا ، كما نقول : سبحان الذي جعل اللبن أبيض ، فاللبن لم يكن له لون آخر فحوَّله الله تعالى إلى البياض ، بل خلقه هكذا بداية . ومعنى : { حَصِيراً . . } [ الإسراء : 8 ] الحصير فراش معروف يُصنع من القَشِّ أو من نبات يُسمى