محمد متولي الشعراوي
3251
تفسير الشعراوي
للخصم جدلا . والتمييز النهائي هو الفيصل . وسيجد المميز حيثية ضلال الخصم واضحة وضوح حيثية هدى المسلمين . قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ( 59 ) ( سورة المائدة ) فإن كنتم تعيبون علينا أو تكرهوننا أو تأخذون إيماننا سبّة فهذا أمر لا يكره الإنسان من أجله ؛ لأنكم تدعون أنكم مؤمنون باللّه . وكذلك لا يمكن أن يسبّ الإنسان من أجل الإيمان بما أنزله اللّه في كتاب ؛ لأنكم أيضا تقولون إنكم مؤمنون بالتوراة . وتقولون إنكم مؤمنون بالأنبياء السابقين على موسى . والخلاف أن عيسى عليه السّلام جاء بعد نبيكم فكفرتم به ، لكننا آمنا به فنحن منطقيون مع أنفسنا ومع ربنا . والحق يبلغنا : « وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ » . ونعرف أن صيانة الاحتمال تقتضى ألا يحكم الحق عليهم جميعا بأنهم فاسقون ؛ لأن فيهم بعضا من الناس تراودهم نفوسهم بالإيمان باللّه وبالإسلام ؛ لذلك لم يكن الحق أبدا ليعمم الحكم على كل أهل الكتاب بالفسق ؛ ليعطى الفرصة لمن يفكر أن يعلن إيمانه . ومن بعد ذلك يأتي الخبر على لسان الرسول بعقابهم : « قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ » إذن فهناك أمر أكثر ضررا لكم لأنه ما كان يصح أن تكرهوا إيماننا ، والأكثر ضررا من هذا هو لعنة اللّه « مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ » ويأتي سبحانه بالأوصاف التي فيهم ، من لعنة اللّه لهم وغضبه عليهم وجعله بعضا منهم قردة وخنازير . وكيف يأتي اللّه بمثل هذه الأوصاف كمثوبة ؟ إن هذا لون من فتح باب الرجاء والأمل ثم يصدمهم من بعد ذلك تماما مثل قوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( من الآية 21 سورة آل عمران ) والعذاب الأليم ينذر به ، وكذلك اللعنة لا يمكن أن تكون ثوابا ، لكن الأسلوب القرآني يعطى النفس المخالفة لونا من الانبساط ، ثم يعطيها اللون المناقض له من الانقباض ، ليكون ذلك أبلغ في الانقباض وأكثر إيلاما .