محمد متولي الشعراوي
3243
تفسير الشعراوي
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ ( 56 ) ( سورة المائدة ) وسبحانه يعلم ما يكون في كونه ، ولن تختلف قضية القرآن عن قضية واقع الكون . وساعة تجد قوما تجمعوا وفي صورتهم الرسمية الشكلية أنهم رجال اللّه ، ولا يغلبون فعلينا أن نعرف أنهم خدعوا أنفسهم وخدعوا الناس بأنهم حزب اللّه وواقع الحال أنهم ليسوا كذلك ؛ لأنه سبحانه قال : وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) ( سورة الصافات ) وهذه قضية قرآنية . ونأخذ الأمر دائما بسؤال : هل غلبت أم لم تغلب ؟ فإن كنت قد غلبت فإن جنديتك للّه صادقة . وإن لم تكن فأنت تخدع نفسك بأنها جنديّة للّه وهي ليست كذلك . ولنا المثل الواضح من حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عندما كان بين صحابته في موقعة أحد وأمر الرّماة أن يقفوا موقفا خاصا ، فلما وجد الرّماة استهلال نصر المؤمنين على الكافرين ، وأن الذين يحاربون أسفلهم يأخذون الغنائم ، ذهبوا هم أيضا إلى الغنائم وخالفوا أمر الرسول حينما قال لهم : « إذا رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم ، وإن رأيتمونا هزمنا القوم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم » « 1 » . فلما خالفوا أمر رسول اللّه أكانوا جنودا للّه بحق ؟ لا ، بل اختلت جنديتهم للّه . ولم يمنع وجود رسول اللّه فيهم سنّة اللّه الإيمانية في كونه ألا تقع ، ولو ظلوا منتصرين على الرغم من أنهم خالفوا الرسول لهان أمر رسول اللّه في نظرهم ؛ لذلك أراد الحق أن يوقع بهم ألم الهزيمة المؤقتة من أجل أن يتأدبوا ، وحتى يعضّوا على أمر سيدهم وسيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالنّواجذ . وقد أورد الحق ذلك الأمر ورسول اللّه فيهم من أجل مصلحة الإسلام ، فلو نصرهم على الرغم من مخالفتهم لرسول اللّه لجرأهم ذلك على أن يخالفوا .
--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق في السيرة .