مركز الأبحاث العقائدية
307
موسوعة من حياة المستبصرين
إنَّ هذه النهاية المؤسفة والمؤلمة ، ما كان ينبغي أنْ تليق بعبد الله بن عمر كما لا تليق بأي مسلم آخر ، ولذلك كان يكثر من التأسف ، وإبداء الحسرة والندامة ، على أنّه لم يقف موقفاً شجاعاً ، تجاه الفئة الباغية ، الظالمة ، التي أذاقت المسلمين ويلات ظلمهم وفسادهم . وقد روى الحاكم عن الزهري ، عن حمزة بن عبد الله بن عمر ، أنّه بينما هو جالس مع أبيه ، إذ جاءه رجل من أهل العراق ، فقال : " يا أبا عبد الرحمن إنّي والله لقد حرصت أنْ أتمسّك بسمتك ، وأقتدي بك في أمر فُرقة الناس ، وأعتزل الشر ما استطعت ، وإنّي أقرأ آية من كتاب الله محكمة ، قد أخذت قلبي ، فأخبرني عنها قول الله عز وجل : ( وَإِن طَاائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الاُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ . . ) ( 1 ) ، أخبرني عن هذه الآية ، فقال عبد الله بن عمر : مالك ويلك ! انصرف عني ، فانطلق حتى توارى عنّا سواده . وأقبل علينا عبد الله بن عمر فقال : ما وجدت في نفسي من شيء ، ما وجدت في أمر هذه الآية إنّي لم أقاتل الفئة الباغية كما أمرني الله عز وجل " . وروى ابن عبد البر في ( الاستيعاب ) بسنده عن ابن عمر أنّه قال : " ما آسي على شيء إلاّ أنني لم أقاتل مع علي الفئة الباغية " . وذكر في رواية أخرى : " أنْ لا أكون قاتلت الفئة الباغية ، على صوم الهواجر " . هكذا كان الاغتيال هو نهاية عبد الله بن عمر على أيدي من ثبّت دعائم حكمهم ، وناضل وناصب العداء لأهل المدينة ، من أجل دولتهم ، ومن ثم يتضح بصورة جلية أنّ لواء الغدر الذي ينصب يوم القيامة ، لا ينصب إلاّ لمن خلع ، أو قعد عن بيعة أهل الحق ، حيث لو كان هذا اللواء ينصب لمن خلع يزيد ، أو من هم على
--> 1 - الحجرات : 9 .