مركز الأبحاث العقائدية

290

موسوعة من حياة المستبصرين

أصبحت أموال المسلمين ورقابهم في أيديهم ، وضعف الجانب العلوي ، وصار لا يستطيع أنْ يجهر ، أو يصرّح برأيه في الأمور السياسية ، وأحوال الساسة . ولما كان ذلك ، مالت طائفة من السَّلف إلى الجانب الأموي ، وانحازت إليه ، وتجنبت الفريق العلوي الذي لم يملك من الدنيا شيئاً ، ساعدهم على ذلك الطبيعة الكائنة في كل من الحق والباطل ، كما قال الإمام علي ( عليه السلام ) : " الحق ثقيل مرىء ، والباطل خفيف وبيء " . وبطبيعة الحال ، استغلّ هؤلاء النفر مكانتهم الدينية المرموقة بين المجتمع ، فزينوا للناس أعمال الحكام ، وبرّروا قبائحهم ، وثبطوا الناس عن الثورة عليهم ، فحدّثوا بأحاديث عن الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، وأدلوا بآرائهم ، وأفتوا الناس بلزوم طاعتهم ، وتحريم الخروج عليهم . وهذه الأحاديث إما أنْ تكون صحيحة عن الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، واستعملت في غير مقامها ، واستُشهد بها في غير محلها . أو أنْ تكون غير صحيحة عنه ( صلى الله عليه وآله ) ، وكانت وليدة الأحداث ، والمتغيرات السياسية في ذلك الوقت ، ويمكن أنْ تكون قد وضعت مدحاً وثناءً للسلطة ، أو ذماً وطعناً في خصومها ، ومن جانبهم رفعت السلطات هذه الروايات ، وهؤلاء الرواة ، إلى منزلة لا تنالها يد المعارضة ، ولا يد النقد ، ودأبوا على دعمها وتقويتها عبر التاريخ . فأصبحت بعد دعمها من قبل السلطة الحاكمة ، كقميص عثمان ، يستغلها السلاطين ، واحداً بعد الآخر ، في تقوية سلطانه ، وإضعاف معارضيه . وقد ساروا على ذلك زماناً ، حيث صارت تلك الروايات ، وهؤلاء الرواة ، من القوة ، حيث أصبح المؤمنون يتعبدون ، ويتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى . وبذلك رتع السلاطين والحكام في غيّهم ، وظلمهم ، ونعموا ببطرهم وفسادهم . آمنين من غضبة العلماء الأحرار ، دون أنْ ينغصوا عليهم ترفهم ، فسعوا في الأرض فساداً ، وحلّوا عرى الإسلام عروة عروة ، حتى لم يبق منه إلاّ رسمه ،