محمد متولي الشعراوي
7083
تفسير الشعراوي
وجعل الحق سبحانه الإحسان هنا قسمين : قسم لذاته ؛ وقسم للغير ، واعتبر مجىء الأهل من البدو إحسانا إليه ، لأن البدو قوم يعيشون على الفطرة والانعزالات الأسرية ، ولا توطّن لهم في مكان ، ولا يضمّهم مجتمع ، وليس لهم بيوت مبنية يستقرّون فيها ، ولكنهم يتبعون أرزاقهم من منابت الكلأ ومساقط المياه ، ويحملون رحالهم إلى ظهر الجمال متنقلين من مكان لآخر . وتخلو حياتهم من نعم الحضارة . ففي الحضر يحضر إليك كل ما تطلب ، ولكن الحياة في البدو تحتّم أن يذهب الإنسان إلى حيث يجد الخير ؛ ولذلك تستقر الحياة في الحضر عنها في البادية . ويعطينا الشاعر أحمد « 1 » شوقى - رحمة اللّه عليه - صورة تبين الفارق بين البدو والحضر ، حين صنع مناظرة بين واحدة تتعصب للبدو ، وأخرى تتعصب للحضر . فقال : فأنا من البيد « 2 » يا ابن جريج * ومن هذه العيشة الجافية ومن حالب الشاة في موضع * ومن موقد النار في ناحية مغنّيكمو معبد والغريق * وقينتنا الضبع العاويه هم يأكلون فنون الطهاة * ونحن نأكل ما طهت الماشيه فابن جريج يشكو السّأم من حياة البادية ، حيث لا يرى إلا المناظر المعادة من حلب لشاة ، أو إشعال نار ، ولا يسمع كأهل
--> ( 1 ) أحمد شوقى من شعراء الإبداع ، وهو أمير الشعراء في العصر الحديث ، وما زالت إمارة الشعر عنده . ( 2 ) البيد : جمع بيداء . وهي الصحراء المستوية ، قليلة الشجر جرداء ، سميت بذلك لأنها تبيد سالكها . والإبادة : الإهلاك . [ لسان العرب - مادة : بيد ] .