محمد متولي الشعراوي
1951
تفسير الشعراوي
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ( 20 ) ( سورة الرحمن ) الماء له استطراق فسلكه اللّه ينابيع في الأرض ، فالإنسان يحفر في مكان من الأرض فيجد الماء عذبا ، وفي موقع آخر يدق الإنسان الأرض ويحفرها ليجد الماء ولكنه مالح . لماذا إذن لم يتسرب الماء المالح إلى الماء العذب وكلاهما تحت الأرض ؟ إذن لا بد أن للماء المالح مسارب تختلف عن مسارب الماء العذب ولا يطغى أحد على الآخر . لماذا ؟ لأننا نجد أن الماء العذب يأتي من أعلى . ونجد دائما منابع الأنهار عالية وتصب في البحر . والحق لم يجعل منسوب الماء المالح أعلى من منسوب الماء العذب حتى لا يطغى الماء المالح على الماء العذب ، لأنه سبحانه يريد أن يرتوى الناس من الظمأ بالماء ، ويريد للزرع أن ينمو ، وأن يتجه الفائض من الماء العذب إلى مخزن الماء سواء في بطن الأرض أو في البحار ، وتأتى من بعد ذلك عملية التبخير فيتصاعد الماء بخارا ليصير سحابا ، ثم يمطر من بعد ذلك ماء عذبا . والقدر الذي خلقه اللّه من الماء أزلا ، هو . هو ، لا يزيد ولا ينقص . فالإنسان إذا كان قد شرب أطنانا من الماء طوال حياته ، فهل ظلت تلك الأطنان في جسد الإنسان أو أن تلك الأطنان قد خرجت في فضلات الإنسان ؟ إن الإنسان لا يختزن إلا الموجود فيه الآن من الماء . والجسم الإنسانى به حوالي تسعين بالمائة من مكوناته من الماء ، وبعد ذلك يموت الإنسان فيتبخر منه الماء وتنزل بقية العناصر للأرض . إذن فكمية المياه واحدة ، ولكنها تخضع لدورة أرادها اللّه . وبعد ذلك يقول الحق : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) ( من سورة النمل )