محمد متولي الشعراوي

1968

تفسير الشعراوي

فسبحانه هو القائل : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ ( من الآية 185 سورة آل عمران ) إنها حياة لها نهاية . أما الذي يريد أن يصعّد النعمة ويصعد النفع فهو يفعل العمل من أجل حياة لا تنتهى . والكافرون قد يأخذون العاجلة المنتهية ، ولكن المؤمنين يأخذون الآجلة التي لا تنتهى . وحين نقارن بين طالب الدنيا وطالب الآخرة ، نرى أن الصفقة تستحق أن نناقشها من نواحيها وهي كما يلي : لا تقس عمر الدنيا بالنسبة لذاتها ، ولكن قس عمرها بالنسبة لعمر الفرد في الحياة ؛ لأن عمر الدنيا عند كل فرد هو مدة بقائه فيها ، فهب أن الدنيا دامت لغيرى ، فما لي ولها ، إن عمر الدنيا قصير بالنسبة لبقاء الإنسان فيها ، وإياك أن تقارنها بقولك : إن الدنيا سوف تبقى لملايين السنين ؛ لأنها ستظل ملايين السنين لملايين الخلق غيرك ، وعمر الدنيا بالنسبة لك هو عمرك فيها ، وعمرك فيها محدود ، وهذا على فرض أن الإنسان سيعيش متوسط الأعمار . فما بالك وعمرك فيها مظنون ؛ لأن الموت يأتي بلا سن ولا يرتبط بسبب أو بزمان . ولذلك فالإنسان لا يضمن متوسط الأعمار . وعمر الآخرة متيقن وهو إلى خلود . إذن فعمر الإنسان في الدنيا مظنون وعمره في الآخرة متيقن ، والدنيا محدودة ، وفي الآخرة خلود ، ونعيمك في الدنيا منوط بقدرتك على تصور النعمة وإمكاناتها . ولكن نعيمك في الآخرة على قدر عظمة ربّك وعطائه العميم ؛ لذلك قال الحق عنها : إنها متاع الغرور . ولم يأت اللّه لها باسم أقل من اسم الدنيا ، فهل هناك اسم أقل وأحقر من هذا ؟ إن الذين يغترون بما يناله الخارجون عن منهج اللّه من تقلبهم في البلاد عليهم أن يتذكروا أن كل ذلك إلى زوال وضياع . وعلينا أن نقارن التقلب في البلاد بما أعده اللّه لنا في الآخرة . وساعة تقارن هذه المقارنة تكون المقارنة سليمة . . ولذلك يتابع الحق قوله عن تقلب الذين كفروا في البلاد :