محمد متولي الشعراوي
740
تفسير الشعراوي
عندك » ، إنما يقول لك : « أقرضني أنا ، لأنى أنا الذي أوجدته في الكون ورزقه مطلوب منى » ، فكأنك حين تعطيه تقرض اللّه ، وهذا معنى قوله : « مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً » . إنه سبحانه وتعالى متفضل بالنعمة ثم يسألك أن تقرضه هو . ولنضرب على ذلك مثلا من أمر الدنيا - وسبحانه وتعالى منزه عن كل مثل وله المثل الأعلى - هب أنك محتاج وفي ضائقة مالية ، وعندك أولاد ولهم مبالغ مدخرة مما كنت تعطيهم من مال فتقول لهم أقرضونى ما معكم من مال ؛ وسأرده لكم عندما تمر الضائقة . كأنك لم ترجع في هبتك وما أعطيته لهم من مال ، إنما اقترضته منهم ، كذلك يفعل اللّه سبحانه وتعالى . وكذلك لنا عبرة وعظة من السيدة فاطمة رضى اللّه عنها عندما دخل عليها سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فرآها ممسكة بدرهم ، والدرهم يعلوه الصدأ وأخذت تجلوه ، فسألها أبوها : ما تصنعين يا فاطمة ؟ قالت : أجلو درهما . قال : لماذا ؟ قالت : لأنى نويت أن أتصدق به ، قال : وما دمت تتصدقين به فلماذا تجلينه ؟ قالت : لأنى أعلم أنه يقع في يد اللّه قبل أن يقع في يد المحتاج . ومن البر أيضا أن يفي الإنسان بالعهد ، فالحق يقول : « وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا » . وما معنى العهد ؟ . إن هناك عهدا ، وهناك عقد . والعهد يوجد من طرفين تعاهدا على كذا ، لكن قد يستطيع أحدهما العطاء ولا يستطيع الآخر الرد . والعقد يوجد بين طرفين أيضا ، أحدهما يعطى ويأخذ ، والآخر يعطى ويأخذ . ومن البر أن تكون من « الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ » . ولنا أن نلحظ أن الحق جاء ب « الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ » مرفوعة لأنها معطوفة على خبر لكنّ البر ، فلماذا جاء « بالصابرين » منصوبة ؟ فماذا يعنى كسر الإعراب ؟ إن الأذن العربية اعتادت على النطق السليم الفصيح فإذا كان الكلام من بليغ نقول : لم يكسر الإعراب هنا إلا لينبهنى إلى أن شيئا يجب أن يفهم ، لأن الذي يتكلم بليغ وما دام بليغا وقال قبلها :