محمد متولي الشعراوي

729

تفسير الشعراوي

الأمور السهلة التي لا مشقة فيها ، وإنما في الخير الواسع الكثير ، ويشمل الإيمان ، ويشمل التقوى ، ويشمل الصدق ، ويشمل الطاعة ، ويشمل الإحسان ، وكل وجوه الخير تدخل في كلمة « البر » . فالبر معناه كبير واسع ، وما دام معناه متسعا هكذا فكل ناحية منه تحتاج إلى مشقة . وانظروا إلى مطلوب البر ، ومتعلقات البر التي تتطلب منكم المشقة ، ولا تختلفوا في المسألة السهلة اليسيرة التي لا يوجد فيها أدنى تعب مثل مسألة تغيير اتجاه القبلة ، فإن كنتم تعتقدون أن ذلك هو البر نقول لكم : لا ، البر له مسؤوليات تختلف ، إن متعلق البر هو أن يختبر صدق الإيمان ، ويظهر الإيثار لمطلوب اللّه على الراحة ، ويتطلب من المؤمن أن يقبل على الطاعة وإن شقّت عليه ، ويتطلب أن يمتنع المسلم عن المعاصي ؛ وأن يعرف أن للمعاصي لذة عاجلة ، لكن عقابها كبير ، كل ذلك هو من مطلوبات البر والإيمان ، فلا تجعلوا مسألة التوجه إلى الكعبة أو إلى بيت المقدس ، أو إلى المشرق هو المشكلة ؛ لأن وجوهكم ستتولى إلى جهة ما وإن لم تؤمروا . والبر كما نعلم هو الخير الواسع الذي يشمل كل وجوه الجمال في الكون . يقول الحق : « وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ » . ولماذا جعل اللّه الحديث عن البر حديثا عن ذات مجسدة ؛ برغم أن البر معنى ؟ . إن الحق يجسد المعنى وهو البر في ذات العبد الذي آمن لأنه سبحانه حينما يريد أن يؤكد معنى من المعاني يجعل الذات مجسدة فيه . وعلى سبيل المثال - وللّه المثل الأعلى - عندما نقول : « فلان عادل » ، أي نحن نصفه بما يحقق للسامع أنه رجل يعرف العدل . ولكن عندما نقول : « فلان عدل » فكأنه هو العدل ذاته ، وكذلك عندما نقول : « فلان صادق » فمعنى ذلك أنه صاحب ذات اتصفت بالصدق ، ومن الممكن للذات أن تنفصل عن الصدق يوما ، ولكن حين نقول : « فلان صدق » فمعنى ذلك أن الصدق قد امتزج به فلا ينحل عنه أبدا ، أو أن الحق يريد أن يقول لنا : لكن صاحب البر هو من آمن باللّه ، أو يقول : « ولكن البر هو بر من آمن باللّه » ، أو أن الإخبار بالذات « من آمن » عن الصفة « البر » دليل على امتزاج الذات في الصفة امتزاجا لا تتخلى عنه أبدا فكأن البر قد تجسد فيهم .