محمد متولي الشعراوي
1292
تفسير الشعراوي
المعنويات بعد ذلك . لماذا ؟ لأن الشئ الحسىّ مشهود من الجميع ، أما الشئ المعنوي فلا يفهمه إلا المتعقلون ، والإنسان له أطوار كثيرة . ففي طور الطفولة لا يفهم ولا يعقل الإنسان إلا الأمر المحسوس أمامه . وقلت قديما في معنى كلمة « الغصب » : إنه أخذ وسلب شئ من إنسان صاحب حق بقوة ، وهذا أمر معنوي له صورة مشهدية ؛ لأن الذي يسلخ الجلد عن الشاة نسميه غاصبا . ولنر كيف يكون أخذ الحق من صاحبه ، إنه كالسلخ تماما ، فالكلمة تأتى للإيضاح . وكلمة « ذنب » وكلمة « عقوبة » مترابطتان ؛ فكلمة « ذنب » مأخوذة من مادة ذنب ؛ لأن المادة كلها تدل على « التالي » والذنب يتلو المقدمة في الحيوان . والعقاب هو ما يأتي عقب الشئ . إذن فهناك ذنب وهناك عقاب . لكن ماذا قبل الذنب ، وماذا يتلو العقاب ؟ لا بوجد ذنب إلا إذا وجد نص يجرّم ، فلا ذنب إلّا بنص . فليس كل فعل هو ذنب ، بل لا بد من وجود نص قبل وقوع الذنب . يجرّم فعله ؛ ولذلك أخذ التقنين الوضعي هذا الأمر ، فقال : لا يمكن أن يعاقب إنسان إلا بتجريم ، ولا تجريم إلا بنص ، فلا يمكن أن يأتي إنسان فجأة ويقول : هذا العمل جريمة يعاقب عليها . بل لا بد من التنبيه والنص من قبل ذلك على تجريم هذا العمل . إنه لا عقوبة إلا بتجريم ، ولا تجريم إلا بنص . فالنص يوضح تجريم فعل نوع ما من العمل ، وإن قام إنسان بهذا العمل فإنه يجّرم ، ويكون ذلك هو الذنب ، فكأن الذنب جاء تاليا لنص التجريم . والعقاب يأتي عقب الجريمة ، وهكذا نجد أن كلا من الذنب والجريمة يأخذان واقع اللفظ ومدلوله ومعناه ؛ فالذّنب هو التالي للشئ . ولذلك يسمّون الدلو الذي يملأونه بالماء « ذنوبا » لأنه هو الذي يتلو الحبل . وأيضا الجزاء في الآخرة : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) ( سورة الذاريات )