محمد متولي الشعراوي
1275
تفسير الشعراوي
إذن فالحكم إنما جاء بافعل ولا تفعل لتحديد حركة الإنسان ، فقد يريد أن يفعل فعلا ضارا ؛ فيقول له : لا تفعل ، وقد يريد ألّا يفعل فعل خير يقول له : افعل . إذن فكل حركات الإنسان محكومة ب « افعل ولا تفعل » ، وعقلك وسيلة من وسائل الإدراك ، مثل العين والأذن واللسان . إن مهمة العقل أن يدرك ، فتكليفه يدعوه إلى أن يفهم أمرا ولا يفهم أمرا آخر ، وجعل اللّه الآيات المحكمات ليريح العقل من مهمة البحث عن حكمة الأمر المحكم ؛ لأنها قد تعلو الإدراك البشرى . ويريد الحق أن يلزم العبد آداب الطاعة حتى في الشئ الذي لا تدرك حكمة تشريعه ، وأيضا لتحرك عقلك لترد كل المتشابه إلى المحكم من الآيات . وإذا قرأنا قول الحق : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) ( سورة الأنعام ) نرى أن ذلك كلام عام . وفي آية أخرى يقول سبحانه : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) ( سورة القيامة ) ويتكلم عن الكفار فيقول : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) ( سورة المطففين ) إذن فالعقل ينشغل بقوله : « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » ، وهذا يحدث في الدنيا ، أما في الآخرة فسيكون الإنسان قد تم إعداده إعدادا آخر ليرى اللّه ، نحن الآن في هذه الدنيا بالطريقة التي أعدنا بها اللّه لنحيا في هذا العالم لا نستطيع أن نرى اللّه ، ومسألة إعداد شئ ليمارس مهمة ليس مؤهلا ولا مهيأ لها الآن ، أمر موجود في دنيانا ، فنحن نعرف أن إنسانا أعمى يتم إجراء جراحة له أو يتم صناعة نظارة طبية له فيرى . ومن لا يسمع أو ثقيل السمع نصنع له سماعة فيسمع بها . فإذا كان البشر قد استطاعوا أن يعدّوا بمقدوراتهم في الكون المادي أشياء لتؤهلهم إلى استعادة حاسة ما ، فما بالنا بالخالق الأكرم الإله المربّى ، ألا يستطيع أن يعيد خلقنا في الآخرة بطريقة تتيح لنا أن نرى ذاته ووجهه ؟ ! إنه القادر على كل شئ .