محمد متولي الشعراوي

1270

تفسير الشعراوي

وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ ( من الآية 22 سورة الروم ) هذا الاختلاف في الألوان والألسنة والأشياء المتعددة يدل على أنها ليست من إنتاج مصنع يصنع قالبا ثم يشكل عليه ، لا ؛ فكل إنسان يولد يصنع بيد قديرة بقدرة ذاتية . إن الصانع الآن إذا أردت أن يصنع لك كوبا يصنع قالبا ويكرره ، لكن في الخلق البشرى كل واحد بقالبه الخاص ، وكل واحد بشكله المخصوص ، وكل واحد بصوته الذي ثبت أن له بصمة كبصمة اليد ، وكل واحد بلون ، إذن فهي من الآيات ، وهذا دليل على طلاقة القدرة ، وفوق كل هذا هو الخلق الذي لا يحتاج إلى عملية علاج ، معنى عملية علاج أي يجعل قالبا واحدا ليصب فيه مادته . لا ، هو - جل شأنه - يقول : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 ) ( سورة البقرة ) إن الأب والأم قد يتحدان في اللون ولكن الابن قد ينشأ بلون مختلف ، ويخلق اللّه معظم الناس خلقا سويا ، ويخلق قلة من الناس خلقا غير سوى ؛ فقد يولد طفل أعمى أو مصاب بعاهة ما أو بأصبع زائدة أو إصبعين . . وهذا الشذوذ أراده اللّه في الخلق ليلفتنا الحق إلى حسن وجمال خلقه . لأن من يرى - وهو السوىّ - إنسانا آخر معوّقا عن الحركة فإنه يحمد اللّه على كمال خلقه . وحين يرى إنسان له في كل يد خمس أصابع إنسانا آخر له إصبع زائدة يعوق حركة يده ، يعرف حكمة وجود الأصابع الخمس ، فالجمال لا يثبت إلا بوجود القبح ، وبضدها تتمايز الأشياء ، الإنسان الذي له سبع أصابع في يد واحدة ، يضع الطب أمام مهمة يجند نفسه لها ؛ حتى يستطيع الطبيب أن يستأصل الزائد عن حاجة الإنسان الطبيعي . ولو خلق اللّه الإنسان بثلاث أصابع لما استطاع ذلك الإنسان أن يتحكم عند استعماله الأشياء الدقيقة .