محمد متولي الشعراوي
1268
تفسير الشعراوي
بقوله : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ » . ولماذا جاء هذا التذييل على هذه الصورة في هذه الآية ؟ أي ما دام القرآن فرقانا فلا بد أن يفرق بين حق وباطل ، والحق له جنوده ، وهم المؤمنون ، والباطل له جنوده وهم الكافرون ، والشر قد جاء من الكافرين فلا بد أن يتكلم عن الذين كفروا « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ » . والعذاب إيلام ، ويختلف قوّة وضعفا باعتبار المؤلم المباشر للعذاب . فصفعة طفل غير صفعة شاب غير صفعة رجل قوى ، كل واحد يوجه الصفعة بما يناسب قوّته ، فإذا كان العذاب صادرا من قوة القوى وهو اللّه ، إذن فلا بد أنه عذاب لا يطاق . « لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ » أي لا يغلب على أمره ، ولا توجد قوة أخرى ضده ، وانتقامه لن يستطيع أحد أن يرده . وقوله الحق سبحانه وتعالى : إنه « قيّوم » أي يقوم بشؤون خلقه إيجادا وإمدادا ، بناء مادة وإيجاد قيم ، لا بد أن يتفرع من ذلك أنه يعلم كل الخلق ويعلم الخبايا ، ولذلك يضع التقنين المناسب لكل ما يجرى لهم ، والتقنينات التي تأتى من البشر تختلف عن التقنينات الموجودة من اللّه ، لماذا ؟ لأن اللّه حين يقنن بكتاب ينزله على رسوله ليبلغ حكم اللّه فيه فهو سبحانه يقنن لما يعلم ، وما يعلمه سبحانه قد يعلمه خلقه وقد لا يعلمونه ، وقد تأتى الأحداث بما لم يكن في بال المشرع البشرى المقنن حين يقنن ، ولذلك يضطرون عادة إلى تغيير القانون ؛ لأنه قد جدّت أحداث لم يلتفت إليها المشرع البشرى . ولماذا لم يلتفت إليها المشرع البشرى ؟ لأن علمه مقصور على المرئيات التي توجد في عصره وغير معاصر للأشياء التي تحدث بعد عصره ، وأيضا يقنن لملكات خفية عنه . إن الحق سبحانه وتعالى لكونه قيّوما وينزل ما يفرق بين الحق والباطل ، فهو - سبحانه - يعلم علما واسعا ، بحيث لا يستدرك عليه ، ولذلك فالذين يحاولون أن يقولوا : إن هذا الحكم غير ملائم للعصر ، نقول لهم : أتستدركون على اللّه ؟ ! كأنكم تقولون : إن اللّه قد فاته مثل هذه الحكاية ونريد أن نصححها له ! .