محمد متولي الشعراوي
1240
تفسير الشعراوي
أبدا . فالأشياء المحسة لا يدخلها إيمان ؛ لأنها مشهودة . وعناصر الإيمان في هذه الآية هي : إيمان باللّه وهو غيب . وإيمان بالملائكة وهي غيب من خلق اللّه ، ولو لم يبلغنا اللّه أن له خلقا هم الملائكة لما عرفنا ، إن الحق أخبرنا أنه خلق الملائكة وهم لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم غيب ، ولولا ذلك لما عرفنا أمر الملائكة إيمان بالكتب والرسل . وقد يقول قائل : هل الرسل غيب ؟ وهل الكتب السماوية غيب ؟ إن الرسل بشر ، والكتب مشهودة . ولمثل هذا القائل نقول : لا ، لا يوجد واحد منا قد رأى الكتاب ينزل على الرسول ، وهذا يعنى أن عملية الوحي للرسول بالكتاب هي غيب يعلمه اللّه ويؤمن به المؤمنون . وكيف نؤمن بكل الرسل ولا نفرق بين أحد منهم ؟ . ونقول : إن الرسل المبلغين عن اللّه إنما يبلغون منهجا عن اللّه فيه العقائد التي لا تختلف باختلاف العصور ، وفيه الأحكام التي تختلف باختلاف العصور ومواقع القضايا فيها . إذن فالأصل العقدي في كل الرسالات أمر واحد ، ولكن المطلوب في حركة الحياة يختلف ؛ لأن أقضية الحياة تختلف ، وحين تختلف أقضية الحياة فإن الحق سبحانه ينزل التشريع المناسب ، لكن الأصل واحد والبلاغ من خالق لا إله إلا هو ، ولذلك يأتي القول الحكيم : « لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ » فنحن لا نفرق بين الرسل في أنهم يبلغون عن اللّه ما تتفق فيه مناهج التبليغ من ناحية الاعتقاد ، وما تختلف من ناحية الأحكام التي تناسب أقضية كل عصر . وبعد ذلك يقول الحق ؛ « وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا » إذن السماع هو بلوغ الدعوة ، والطاعة هي انفعال بالمطلوب ، وأن يمتثل المؤمن أمرا ويمتثل المؤمن نهيا في كل أمر يتعلق بحركة الكون . فالذين يريدون أن يعزلوا الدين عن حركة الحياة يقولون : إن الدين يهتم بالعبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج . وبعد ذلك يحاولون عزل حركة الحياة عن الدين .