محمد متولي الشعراوي
1225
تفسير الشعراوي
تجعل الإنسان يعلم تمام العلم مقومات حياته ، لكن السفر يخرج الإنسان عن رتابة الحياة فلا يتمكن من كثير من الأشياء التي يتمكن بها في الإقامة . فهب أنك مسافر ، واضطررت إلى أن تستدين ، ولا يوجد كاتب ولا يوجد شهيد ، فماذا يكون الموقف ؟ ها هو ذا الحق يوضح لك : « فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ » . إذن فلم يترك اللّه مسألة الدين حتى في السفر فلم يشرّع فقط للإقامة ولكن الحق قد شرّع أيضا للسفر « فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ » وهكذا الكتابة ، والشهادة في الإقامة والرهان المقبوضة في السفر هدفها حماية الإنسان أمام ظروف ضغط المجتمع . ولكن هل يمنع الحق سبحانه وتعالى طموحية الإيثار ؟ هل يمنع الحق سبحانه وتعالى رجولية التعامل ؟ هل يمنع الحق سبحانه وتعالى المروءات من أن تتغلغل في الناس ؟ لا . إنه الحق سبحانه يقول : « فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ » إنه الطموح الإيمانى ، لم يسدّ اللّه مسألة المروءة والإيثار في التعامل . إن كتابة الدين والإشهاد والرهن ليس إلزاما لأن اللّه قال : « فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ » . وأيضا قد نفهم أن الذي اؤتمن هو المدين ، وهنا نقول : لا ، إن الأمر مختلف ، فهنا رهان ، وذلك معناه وجود مسألتين ، المسألة الأولى هي « الدين » ، والمسألة الثانية هي « الرهان المقبوضة » وهي مقابل الدين . فواحد مأمون على الرهن في يده . والآخر مأمون على الدين . ولهذا يكون القول الحكيم مقصودا به من بيده الرهن ، ومن بيده الدّين ومعنى ذلك أن يؤدى من معه الرهن أمانته ، وأن يؤدى الآخر دينه . وحين نرتقى إلى هذا المستوى في التعامل فإن وازع الإنسان ليس في التوثيق الخارج عن ذات النفس ، ولكنه التوثيق الإيمانى بالنفس ، ولكن أنضمن أن يوجد التوثيق الإيمانى عند كل الناس ؟ . أنضمن الظروف ؟ . نحن لا نضمن الظروف ، فقد توجد الأمانة الإيمانية وقت التحمل والأخذ ، ولا نضمن أن توجد الأمانة الإيمانية وقت الأداء فقد يأتي واحد ويقول لك : إن عندي مائة جنيه وخذها أمانة عندك .