محمد متولي الشعراوي

1219

تفسير الشعراوي

ويريد الحق سبحانه وتعالى أيضا أن يضمن مصالح الجميع لا مصلحة جماعة على حساب جماعة . ويقول الحق في هذه « المضارة » : « وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ » أي وإن تفعلوا الضرر من هذا أو من ذاك فإنه فسوق بكم ، إنه سبحانه يحذر أن يقع الضرر من الكاتب أو الشهيد ، أو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد . ففعل الضرر فسوق ، أي خروج عن الطاعة . والأصل في « الفسق » هو خروج الرطبة من قشرتها ، فالبلح حين يرطب تكون القشرة قد خلعت عن الأصل من البلحة ، فتخرج الثمرة من القشرة فيقال : « فسقت الرطبة » . ومنها أخذ معنى الفسوق وهو الخروج عن طاعة اللّه في كل ما أمر . ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » وعلمنا من قبل معنى كلمة « التقوى » حين يقول اللّه : « وَاتَّقُوا اللَّهَ » أو يقول سبحانه : « وَاتَّقُوا النَّارَ » « وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » ، وكل هذه المعاني مبنية على الوقاية من صفات جلال اللّه ، وجبروته ، وقهره ، وإذا قلنا : « اتَّقُوا النَّارَ » فالنار من جنود صفات القهر للّه ، ف « اتَّقُوا اللَّهَ » هي بعينها « اتَّقُوا النَّارَ » هي بعينها « اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ » . ويقول الحق سبحانه : « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ » . وهنا مبدأ إيماني يجب أن نأخذه في كل تكليف من اللّه ؛ فإن التكاليف إن جاءت من بشر لبشر ، فأنت لا تنفذ التكليف من البشر إلا إن أقنعك بحكمته وعلته ؛ لأن التكليف يأتي من مساو لك ، ولا توجد عقلية أكبر من عقلية ، وقد تقول لمن يكلفك : ولماذا أكون تبعا لك وأنت لا تكون تبعا لي ؟ إنك إذا أردت أن تكلفنى بأمر من الأمور وأنت مساو لي في الإنسانية والبشرية وعدم العصمة فلا بد أن تقنعنى بحكمة التكليف . أما إن كان التكليف من أعلى وهو الحق سبحانه وهو اللّه الذي آمنا بقدرته وعلمه وحكمته وتنزهه عن الغرض العائد عليه فالمؤمن في هذه الحالة يأخذ الأمر قبل أن