محمد متولي الشعراوي

711

تفسير الشعراوي

إذن فالرسول يشترك مع الراعي في الدعاء والنداء ، وهم اشتركوا مع المرعىّ في أنهم لم يفهموا إلا الدعاء والنداء فقط ، وفي الاستجابة هم « صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ » ، فالمدعو به لم يسمعوه ، وكأنهم اشتركوا مع الحيوان في أنهم لا يستمعون إلا للدعاء والنداء ، إنما المدعو به ومضمون النداء هم لا يعقلونه ولا يفهمونه . وبكم لا ينطقون بمطلوب الدعوة وهو « شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه » ، وليس عندهم عقل يدير حركة العيون لينظروا في ملكوت السماوات والأرض ليظهر لهم وجه الحق في هذه المسألة . إذن فمثل الذين كفروا بالرسول كمثل الماشية مع الراعي ، فهم لا يسمعون إلا مجرد الدعاء ، كما أن الماشية تسمع الراعي ولا تعقل ، مع الفارق ؛ لأن الدواب ليس مطلوبا منها أن ترد على من يناديها . ولا تسمع غير ذلك من المدعو به لذا كان الكافرون شر الدواب . وقول الحق : « صُمٌّ » أي مصابون بالصمم ؛ وهو آفة تمنع الأذن من أداء مهمتها . و « بُكْمٌ » أي مصابون بآفة تصيب اللسان ؛ فتمنعه من أداء مهمته ، إلا أن السبب في الصمم سبب إيجابي ، لأن هناك شيئا قد سد منفذ السمع فلا تسمع ، وبسبب الصمم فهم بكم ، والبكم هو عجز اللسان عن الكلام ، لأن الإنسان إن لم يسمع فهو لن يتكلم . ولذلك فإن الإنسان إذا وجد في بيئة عربية فهو يتكلم اللغة العربية ، وإذا نشأ الإنسان في بيئة إنجليزية فهو يتكلم لغة إنجليزية . وهب أنك قد نشأت في بيئة تتكلم العربية ثم لم تسمع كلمة من كلماتها هل تتكلم بها ؟ لا . إذن . فاللسان ينطق بما تسمعه الأذن ، فإذا لم تسمع الأذن لا يتكلم اللسان . والصمم يسبق البكم ، ولذلك فالبكم هو آفة سلبية ، وتجد أن اللسان يتحرك ويصوّت أصواتا لا مدلول لها ولا مفهوم . فهل نفهم من قوله تعالى عنهم : « صُمٌّ » أنهم مصابون بالصمم ؟ . لا . إن الحق يقول : لقد جعلت الأذن لتسمع السماع المفيد ؛ فكأنها معطلة لا تسمع شيئا . وكذلك اللسان أوجدته ليتكلم الكلام المفيد ، بحيث من لا يتكلم به كأنه أبكم ، والعقل أوجدته ليفكر به ؛ فإذا لم يفكر تفكيرا سليما منطقيا ، فكأن صاحبه لا عقل له . فالأصم حقيقة خير من الذي يملك حاسة السمع ولا يفهم بها ، لأن الأصم له عذره ، والأبكم كذلك ، والمجنون أيضا له عذره ، فليت هؤلاء الكفار كانوا كذلك ، لقد صموا آذانهم عن سماع الدعوة ، وهم بكم عن النطق بما ينجيهم بشهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، وهم عمى عن