محمد متولي الشعراوي

1189

تفسير الشعراوي

القدر المشترك . فالأرزاق التي توجد في الكون تنقسم إلى قسمين : رزق أنتفع به مباشرة ، ورزق هو سبب لما أنتفع به مباشرة . أنا آكل رغيف الخبز ، هذا اسمه رزق مباشر ، وأشرب كوب الماء ، وهو رزق مباشر ، واكتسى بالثوب وذلك أيضا رزق مباشر ، وأسكن في البيت وهذا رابعا رزق مباشر ، وأنير المصباح رزق مباشر . ولكن المال يأتي بالرزق المباشر ، ولا يغنى عن الرزق المباشر . فإذا كان عندي جبل من ذهب وأنا جوعان ، ماذا أفعل به ؟ . إذن فرغيف العيش أحسن منه ، هذا رزق مباشر ، فالنقود أو الذهب أشترى بها هذا وهذا ، لكن لا يغنيني عن هذا وهذا . وقد جاء وقت أصبح الناس يرون فيه أن المال هو كل شئ حتى صار هدفا وتعلق الناس به . . وفي الحق أنّ المال ليس غاية ، ولا ينفع أن يكون غاية بل هو وسيلة . فإن فقد وسيلته وأصبح غاية فلا بد أن يفسد الكون ؛ فعلة فساد الكون كله في القدر المشترك الذي هو المال ، حيث أصبح المال غاية ، ولم يعد وسيلة . والحق سبحانه وتعالى يريد أن يطهر حياة الاقتصاد للناس طهارة تضمن حلّ ما يطعمون ، وما يشربون ، وما يكتسون ، حتى تصدر أعمالهم عن خليات إيمانية طاهرة مصفاة ؛ ذلك أن الشئ الذي يصدر عن خلية إيمانية طاهرة مصفاة لا يمكن أن ينشأ عنه إلا الخير . ومن العجيب أن نجد القوم الذين صدروا لنا النظام الربوي يحاولون الآن جاهدين أن يتخلصوا منه ، لا لأنهم ينظرون إلى هذا التخلص على أنه طهارة دينية ، ولكن لأنهم يرون أن كل شرور الحياة ناشئة عن هذا الربا . وليست هذه الصيحة حديثة عهد بنا ، فقديما أي من عام ألف وتسعمائة وخمسين قام رجل الاقتصاد العالمي « شاخت » في ألمانيا وقد رأى اختلال النظام فيها وفي العالم ، فوضع تقريره بأن الفساد كله ناشىء من النظام الربوي ، وأن هذا النظام يضمن للغنى أن يزيد غنى ، وما دام هذا النظام قد ضمن للغنى أن يزيد غنى ، فمن أين يزداد غنى ؟ لا شك أنه يزداد غنى من الفقير . إذن فستئول المسألة إلى أن المال سيصبح في يد أقلية في الكون تتحكم في مصائره كلها ولا سيما المصائر الخلقية . لماذا ؟ .