محمد متولي الشعراوي
1175
تفسير الشعراوي
ولقائل أن يقول : ما دام اللّه هو الذي يهدى فيجب أن نترك الناس على ما هم عليه من إيمان أو كفر ، وما علينا إلا البلاغ ، ونقول لأصحاب هذا الرأي : تنبهوا إلى معطيات القرآن فيما يتعلق بقضية واحدة ، هذه القضية التي نحن بصددها هي الهداية ، ولنستقرئ الآيات جميعا ، فسنجد أن الذين يرون أن الهداية من اللّه ، وأنه ما كان يصح له أن يعذب عاصيا ، لهم وجهة نظر ، والذين يقولون : إن له سبحانه أن يعذبهم ؛ لأنه ترك لهم الخيار لهم وجهة نظر ، فما وجهة النظر المختلفة حتى يصير الأمر على قدر سواء من الفهم ؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم في قرآنه الكلام الموحى ، فهو يطلب منا أن نتدبره ، ومعنى أن نتدبره ألا ننظر إلى واجهة النص ولكن يجب أن ننظر إلى خلفية النص . « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ » يعنى لا تنظر إلى الوجه ، ولكن انظر ما يواجه الوجه وهو الخلف . أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ( من الآية 82 سورة النساء ) فالحق سبحانه وتعالى قد قال : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ( من الآية 17 سورة فصلت ) كيف يكون اللّه قد هداهم ، ثم بعد ذلك يستحبون العمى على الهدى ؟ إذن معنى « هداهم » أي دلّهم على الخير . وحين دلهم على الخير فقد ترك فيهم قوة الترجيح بين البدائل ، فلهم أن يختاروا هذا ، ولهم أن يختاروا هذا ، فلما هداهم اللّه ودلّهم استحبوا العمى على الهدى . واللّه يقول لرسوله في نصين آخرين في القرآن الكريم : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ( من الآية 56 سورة القصص )