محمد متولي الشعراوي
1164
تفسير الشعراوي
والحكمة هي وضع الشئ في موضعه النافع . فكأن الحق يقول : كل ما أمرتكم به هو عين الحكمة ؛ لأنى أريد أن أؤمّن حياتكم الدنيا فيمن تتركون من الذرية الضعفاء ، وأؤمّن لكم سعادة الآخرة . فإن صنع العبد المؤمن ما يأمر به اللّه فهذا وضع الأشياء في موضعها وهو أخذ بالحكمة . وقد أراد الحق أن يعلم الإنسان من خلال عاطفته على أولاده ، لأن الإنسان قد تمر عليه فترة يهون فيها عنده أمر نفسه ، ولا ينشغل إلا بأمر أولاده ، فقد يجوع من أجل أن يشبع الأولاد ، وقد يعرى من أجل أن يكسوهم . ولنا المثل الواضح في سيدنا إبراهيم خليل الرحمن عليه السّلام ، لقد ابتلاه ربه في بداية حياته بالإحراق في النار ، ولأن إبراهيم قوى الإيمان فقد جعل اللّه النار بردا وسلاما . وابتلاه اللّه في آخر حياته برؤيا ذبح ابنه ، ولأن إبراهيم عظيم الإيمان فقد امتثل لأمر الرحمن الذي افتدى إسماعيل بكبش عظيم . والإنسان في العمر المتأخر يكون تعلقه بأبنائه أكبر من تعلقه بنفسه . وهكذا كان الترقي في ابتلاء اللّه لسيدنا إبراهيم عليه السّلام ، ولذلك أراد اللّه أن يضرب للبشر على هذا الوتر وقال : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 9 ) ( سورة النساء ) إن الحق سبحانه يريد من عباده أن يؤمّنوا على أولادهم بالعمل الصالح والقول السديد . ومثال آخر حين أراد الحق أن يحمى مال اليتامى ، وأعلمنا بدخول موسى عليه السّلام مع العبد الصالح الذي أوتى العلم من اللّه ، يقول - سبحانه - :