محمد متولي الشعراوي

1157

تفسير الشعراوي

الجنة بربوة عالية فمعنى ذلك أنها محاطة بأمكنة وطيئة ومنخفضة عنها ، فماذا يفعل المطر بهذه الجنة التي توجد على ربوة ؟ وقد أخبرنا الحق بما يحدث لمثل هذه الجنة قبل أن يتقدم العلم الحديث ويكتشف آثار المياه الجوفية على الزراعة . فهذه الجنة التي بربوة لا تعاني مما تعاني منه الأرض المستوية ، ففي الأرض المستوية قد توجد المياه الجوفية التي تذهب إلى جذور النبات الشعرية وتفسدها بالعطن ، فلا تستطيع هذه الجذور أن تمتص الغذاء اللازم للنبات ، فيشحب النبات بالاصفرار أولا ثم يموت بعد ذلك ، إنّ الجنة التي بربوة تستقبل المياه التي تنزل عليها من المطر ، وتكون لها مصارف من جميع الجهات الوطيئة التي حولها ، وترتوى هذه الجنة بأحدث ما توصل إليه العلم من وسائل الري ، إنها تأخذ المياه من أعلى ، أي من المطر ، فتنزل المياه على الأوراق لتؤدى وظيفة أولى وهي غسل الأوراق . إن أوراق النبات - كما نعلم - مثل الرئة بالنسبة للإنسان مهمتها التنفس ، فإذا ما نزل عليها ماء المطر فهو يغسل هذه الأوراق مما يجعلها تؤدى دورها فيما نسميه نحن في العصر الحديث بالتمثيل الكلوروفيلى . وبعد ذلك تنزل المياه إلى الجذور لتذيب العناصر اللازمة في التربة لغذاء النبات ، فتأخذ الجذور حاجتها من الغذاء المذاب في الماء ، وينزل الماء الزائد عن ذلك في المصارف المنخفضة . وهذه أحدث وسائل الزراعة الحديثة ، واكتشفوا أن المحصول يتضاعف بها . إن الحق يخبرنا أن من ينفق ماله ابتغاء مرضاة اللّه وتثبيتا من أنفسهم كمثل هذه الجنة التي تروى بأسلوب رباني ، فإن نزل عليها وإبل من المطر ، أخذت منه حاجتها وانصرف باقي المطر عنها ، « فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ » ؛ والطلّ وهو المطر والرذاذ الخفيف يكفيها لتؤتى ضعفين من نتاجها . وإذا كان الضعف هو ما يساوى الشئ مرتين ، فالضعفان يساويان الشئ أربع مرات . واللّه يضرب لنا مثلا ليزيد به الإيضاح لحالة من ينفق ماله رئاء الناس فيسأل عباده المؤمنين وهو أعلم بهم فيقول جل شأنه :