محمد متولي الشعراوي
1153
تفسير الشعراوي
ما معنى « قَوْلٌ مَعْرُوفٌ » ؟ إننا في العادة نجد أن المعروف مقابل للمنكر ، كأن الأمر الخيّر أمر متعارف عليه بالسجية ، وكأن المتعارف عليه دائما من جنس الجمال ومن جنس الخير ، أما الأمر الذي تنكره النفس فمن جنس الشر وجنس القبح . ولذلك يقول الحق : « قَوْلٌ مَعْرُوفٌ » فكأن من شأن الجمال ومن شأن الحسن أن يكون معروفا ، ومن شأن النقيض أن يكون منكرا ، إذن فالقول المعروف هو أن ترد السائل الرد الجميل بحيث لا تمتلئ نفسه بالحفيظة عليك ، وبحيث لا توبخه لأنّه سألك ، وإذا كان السائل قد تجهم عليك تجهم المحتاج فاغفر له ذلك ، لماذا ؟ لأن هناك إنسانا تلهب ظهره سياط الحاجة ، ويراك أهلا لغنى أو ليسار أو جدة وسعة من المال ، وقد يزيد بالقول واللسان قليلا عليك ، وربما تجاوز أدب الحديث معك ، فعليك أن تتحمله . وإذا كنت أنت أيها العبد تصنع المعاصي التي تغضب اللّه ، ويحلم الحق عليك ، ويغفرها لك ولا يعذبك بها ، فإذا ما صنع إنسان معك شيئا فكن أيضا صاحب قول معروف ومغفرة وحلم ؛ إن الحق سبحانه يقول لنا : « أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ » ؟ إننا جميعا نحب أن يغفر اللّه لنا ، ولذلك يجب أن نغفر لغيرنا وخصوصا للمحتاج . والحق حين يقول : « وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ » ففي ذلك تنبيه للقادر الذي حرم الفقير ، وكأنه يقول له : إنما حرمت نفسك أيها القادر من أجر اللّه . إنك أيها القادر حين تحرم فقيرا ، فأنت المحروم ؛ لأن اللّه غنى عنك ، وهو سبحانه يقول : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ( 38 ) ( سورة محمد ) إن اللّه غنى بقدرته المطلقة ، غنى وقادر أن يستبدل بالقوم البخلاء قوما يسخون بما أفاء اللّه عليهم من رزق في سبيل اللّه . فالذي يمسك عن العطاء إنما منع عن نفسه