محمد متولي الشعراوي
1149
تفسير الشعراوي
ولذلك تجد كثيرا من الناس يقولون : كم صنعت بفلان وفلان الجميل ، هذا كذا وهذا كذا ، ثم خرجوا علىّ فأنكروه . وأقول لكل من يقول ذلك : ما دمت تتذكر ما أسديته إليهم فمن العدالة من اللّه أن ينكروه ، ولو أنك عاملت اللّه لما أنكروه ، فمادمت لم تعامل اللّه ، فإنك تقابل بنكران ما أنفقت . فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يسخى بالآية الأولى قلب المنفق ليبسط يده بالنفقة ، لذلك قال : « ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ » . فالحق سبحانه وتعالى طمأننا في الآية الأولى على أن الصدقة والنفقة لا تنقص المال بل تزيده ، وضرب لنا الحق سبحانه المثل بالأرض التي تؤتينا بدل الحبة الواحدة سبعمائة حبة ، ثم يوضح الحق لنا أن آفة الإنفاق أن يكون مصحوبا ب « المنّ » أو « الأذى » ؛ لأن ذلك يفسد قضية الاستطراق الصفائى في الضعفاء والعاجزين ، ولذلك يقول الحق سبحانه : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ( من الآية 262 من سورة البقرة ) انظر إلى الدقة الأدائية في قوله الكريم : « ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً » . قد يستقيم الكلام لو جاء كالآتى : « الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً » ، لكن الحق سبحانه قد جاء ب « ثم » هنا ؛ لأن لها موقعا . إن المنفق بالمال قد لا يمن ساعة العطاء ، ولكن قد يتأخر المنفق بالمن ، فكأن الحق سبحانه وتعالى ينبه كل مؤمن : يجب أن يظل الإنفاق غير مصحوب بالمن وأن يبتعد المنفق عن المن دائما ، فلا يمتنع عن المن فقط وقت العطاء ، ولكن لا بد أن يستمر عدم المن حتى بعد العطاء وإن طال الزمن .