محمد متولي الشعراوي
1147
تفسير الشعراوي
لتبذرها في الأرض أيقال : إنك أنقصت مخزنك بمقدار كيلة القمح ؟ لا ؛ لأنك ستزرع بها ، وأنت تنتظر كم ستأتي من حبوب ، وهذه أرض صماء مخلوقة للّه ، فإذا كان المخلوق للّه قد استطاع أن يعطيك بالحبة سبعمائة ، ألا يعطيك الذي خلق هذه الأرض أضعاف ذلك ؟ إنه كثير العطاء . والحق قد نسب للمنفقين الأموال التي رزقهم اللّه بها فقال : « مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » وكلمة « في سبيل اللّه » كلمة عامة ، يصح أن يكون معناها الجهاد ، أو مصارف الصدقات ؛ لأن كل هذا في سبيل اللّه ؛ لأن الضعيف حين يجد نفسه في مجتمع متكافل ، ويجد صاحب القوة قد عدّى من أثر قوته وحركته إليه ، أيحقد على ذي القوة ؟ لا ؛ لأن خيره يأتيه ، نضرب المثل في الريف نقول : البهيمة التي تدر لبنا ساعة تسير في الحارة . فالكل كان يدعو اللّه لها ويقول : « يحميكى » لماذا ؟ لأن صاحبها يعطى كل من حوله من لبنها ومن جبنتها ومن سمنها ، لذلك يدعو لها الجميع ، ولا يربطها صاحبها ، ولا يعلفها ، ولا ينشغل عليها ، والخير القادم منها يذهب إلى كل الأهل ، وحين نجد مجتمعا بهذا الشكل ويجد العاجز من القوى معينا له ، هنا يقول العاجز : إنني في عالم متكامل . وإذا ما وجد في إنسان قوة وفي آخر ضعف ؛ فالضعيف لا يحقد وإنما يقول : إن خير غيرى يصلنى . وكذلك يطمئن الواهب أنه إن عجز في يوم ما سيجد من يكفله - والقدرة أغيار - ما دام الإنسان من الأغيار . فقد يكون قويا اليوم ضعيفا غدا . إذن فقول الحق سبحانه وتعالى : « مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ » هو قانون يريد به اللّه أن يحارب الشح في نفس المخلوقين ، إنه يقول لكل منا : انظر النظرة الواعية ؛ فالأرض لا تنقص من مخزنك حين تعطيها كيلة من القمح ! صحيح أنك أنقصت كيلة من مخزنك لتزرعها ، ولكنّك تتوقع أن تأخذ من الأرض أضعافها . وإياك أن تظن أن ما تعطيه الأرض يكون لك فيه ثقة ، وما يعطيه اللّه لا ثقة لك فيه . « مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ