محمد متولي الشعراوي
1144
تفسير الشعراوي
لكن لو أن كل واحد صار مجمع مواهب ، لاستغنى عن غيره من البشر وأقام وحده بمفرده ، وينتهى احتياجه للمجتمع الإنسانى . فكأن اللّه حين وزع أسباب الفضل على الخلق يريد منهم أن يتكاملوا ويلتحم بعضهم ببعض لا التحام فضل ، ولكن التحام تعايش ضروري ؛ لأن واحدا يريد ما ينتجه الآخر بموهبته ، والآخر يريد من إنسان غيره ما هو موهوب فيه . ولذلك فالناس بخير ما تباينوا ؛ لأن كلا منهم يحتاج إلى الآخر . ولذلك لا نجد أي تقدم في مجتمع إلا إذا كانت المواهب في هذا المجتمع مختلفة ومتآزرة . أما حين يوجد قوم لهم مواهب متحدة فلا بد أن يقاتل بعضهم بعضا لكن عندما يكون كل واحد في حاجة لموهبة الآخر ، فهم يتعايشون ؛ لأن الحياة لا تسير إلا بالكل ، ولذلك إذا استوت جماعة في المواهب فلا بد أن يتفانوا لأنهم يتنافسون فيها ويريد كل واحد منهم أن يستأثر بها لنفسه ، لكن لا أحد في المواهب المتكاملة يقول : لماذا يكون فلان أفضل منى ، لأنه يعرف أنه من الضروري أن يوجد المهندس والطبيب والصانع ، ولذلك تجد الوجود منظما بذاته التنظيم الطبيعي الذي يوجد قاعدة ويوجد قمة ، فالقمة الصغيرة تحملها القاعدة الكبيرة . ولو عكست الهرم لصارت مشكلة ؛ لأن الأمر في هذه الحالة سيجدّ به جوانب كثيرة ليس لها أساس ولا ترتكز على شئ ، ولذلك فمن الحكمة إذا رأيت في المجتمع واحدا قد ذهب إلى القمة فأعنه على أن يستمر متفوقا ، ولا تصطرع معه فتسقطوا جميعا ، فلا بد من التفاضل كي ينشأ التكامل . والحق سبحانه وتعالى يعرض لنا هذه القضية عرضا اجتماعيا وعرضا اقتصاديا ؛ ليبين لنا أن أصل الوجود يجب أن ينشأ على أمر اجتماعي وأمر اقتصادى ، لماذا ؟ لأن الإنسان مشغول أولا باستبقاء حياته ، ثم باستبقاء نوعه . واستبقاء حياة الإنسان بالقوت ، واستبقاء نوعه بالزواج . واستبقاء الحياة بالقوت يحتاج إلى حركة في الحياة ، والحق يحترم ثمرتها ، وعندما يريد الحق أن يرقق قلب المتحرك على أخيه العاجز فهو يقول : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ( من الآية 45 سورة البقرة )