محمد متولي الشعراوي
1140
تفسير الشعراوي
إذن فالاطمئنان جاء لمراد في كيفية مخصوصة تخرجه من متاهات كيفيات متصورة ومتخيلة ، وما دمت تريد الكيفية ، وهذه الكيفية لا يمكن أن نشرحها لك بكلام . بل لا بد أن تكون تجربة عملية واقعية ، « فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ » . و « صرهن » أي أملهن وأضممهنّ إليك لتتأكد من ذوات الطير ، ومن شكل كل طير ، حتى لا تتوهم أنه قد جاء لك طير آخر . وقال المفسرون : إن الأربعة من الطير هي : الغراب ، الطاووس ، الديك ، الحمامة ، وهكذا كان كل طائر له شكلية مختلفة . « ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً » ، فهل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أو اكتفى بأن شرح اللّه له الكيفية ؟ إن القرآن لم يتعرض لهذه الحكاية ، فإما أن يكون اللّه قد قال له الكيفية ، فإن أراد أن يتأكد منها فليفعل ، وإمّا أنه قد تيقن دون أن يجرى تلك العملية . إن القرآن لم يقل لنا هل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أم لا ؟ والحق يقول مخاطبا إبراهيم بخطوات التجربة : « ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً » وكان المفروض أن يقول : يأتينك طيرانا . فكيف تسعى الطيور ؟ إن الطير يطير في السماء وفي الجو . لكن الحق أراد بذلك ألا يدع أي مجال لاختلاط الأمر فقال : « سعيا » أي أن الطير سيأتي أمامه سائرا ، لقد نقل الحق الأمر من الطيران إلى السعي كي يتأكد منها سيدنا إبراهيم ، إذن فلكى تتأكد يا إبراهيم ويزداد اطمئنانك جئنا بها من طيور مختلفة وأنت الذي قطعتها ، وأنت الذي جعلت على كل جبل جزءا ، ثم أنت الذي دعوت الطير فجاءتك سعيا . وهنا ملحظية في طلاقة القدرة ، وفي الفرق بين القدرة الواجبة لواجب الوجود ، وهو الحق سبحانه وتعالى ، والقدرة الممنوحة من واجب الوجود وهو اللّه - سبحانه - لمنكر واجب الوجود وهو الإنسان ، هذا له قدرة ، وذاك له قدرة ؛ إن قدرة اللّه هي قدرة واجبة ، وقدرة الإنسان هي قدرة ممكنة ، وقدرة اللّه لا ينزعها منه أحد ، وقدرة الإنسان ينزعها اللّه منه ؛ فالإنسان من البشر ، والبشر تتفاوت قدراتهم ؛ فحين