محمد متولي الشعراوي

1134

تفسير الشعراوي

نام بشعر أسود ، وقام بعد ذلك بشعر أشيب ، فلو حدثت أية تغيرات فيه لكان قد لمسها ، لكنه لم يجد تغيرا . فماذا كان جواب الحق ؟ قال الحق : « بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ » . إننا هنا أمام طرفين ويكاد الأمر أن يصبح لغزا ، طرف يقول : « لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » ورب يقول : « بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ » . ونريد أن نحل هذا اللغز . إن الحق سبحانه صادق ومنزّه ، والعبد المؤمن صادق في حدود ما رأى من أحواله . ونريد دليلا على هذا ، ودليلا على ذاك . نريد دليلا على صدق العبد في قوله : « لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » . ونريد من الحق سبحانه وتعالى دليل اطمئنان لا دليل برهان على أن الرجل قد مات مائة عام وعاد إلى الحياة . ونقول : إن في القصة ما يؤيد « لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » ، وما يؤيد « بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ » ، فقد كان مع الرجل حماره ، وكان معه طعامه وشرابه من عصير وعنب وتين . فقال الحق سبحانه وتعالى : « لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ » ، وأراد أن يدلل على الصدق في القضيتين معا قال : « فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ » ، ونظر الرجل إلى طعامه وشرابه فوجد الطعام والشراب لم يتغيرا ، وهذا دليل على أنه لم يمكث إلا يوما أو بعض يوم ، وبذلك ثبت صدق الرجل ، بقيت قضية « مِائَةَ عامٍ » . فقال الحق : « وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ » وهذا القول يدل على أن هنا شيئا عجيبا ، وأراد اللّه أن يبين له بنظرة إلى الحمار دليلا على صدق مرور مائة عام ، ووجد الرجل حماره وقد تحول عظاما مبعثرة ، ولا يمكن أن يحدث ذلك في زمن قصير ، فإن موت الحمار أمر قد يحدث في يوم ، لكن أن يرمّ جسمه ، ثم ينتهى لحمه إلى رماد ، ثم تبقى العظام مبعثرة ، فتلك قضية تريد زمانا طويلا لا يتسع له إلا مائة عام ، فكأن النظر إلى الحمار هو دليل على صدق مرور مائة عام ، والنظر إلى الطعام دليل على صدق « يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ » . فالقضية إذن قضية عجيبة ، وكيف طوى الزمن في مسألة الطعام ، وكيف بسط