محمد متولي الشعراوي

1126

تفسير الشعراوي

فقال إبراهيم عليه السّلام : « رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ » وهذه هي براعة القرآن في أن يترك الشئ ثقة بأن السامع يرد كل شئ إلى أصله ، فقوله الحق : « إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ » فكأن الذي حاج إبراهيم سأله : من ربك ؟ فقال إبراهيم : « رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ » . ولنا أن نلحظ أن هذه الآية قد جاءت بعد قوله الحق في الآية السابقة : « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا » ، والولاية هي النصر والمحبة والمعونة ، فيريد سبحانه أن يبين لنا كيف أعان اللّه إبراهيم على من حاجه ، إلا أن الذي حاج إبراهيم دخل في متاهات السفسطة بعد أن سمع قول إبراهيم : « رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ » ، وقد جاء الحق ب « يُحْيِي وَيُمِيتُ » ؛ لأن تلك القضية هي التي لم يدّع أحد أنه فعلها ، ولم يدّع أحد أنه شريك فيها ، حتى الكافرون إذا سألتهم : من الذي خلق ؟ يقولون اللّه . إذن فهذه قضية ثابتة . إلا أن الخصم الذي حاجّ إبراهيم أراد أن ينقل المحاجة نقلة سفسطائية . والسفسطة كما نعلم هي الكلام الذي يطيل الجدل بلا نهاية . وقال الرجل الذي يحاج إبراهيم عليه السّلام : إذا كان ربك الذي يحيى ويميت فأنا أحيى وأميت . فسأله إبراهيم عليه السّلام ؛ كيف تحيى أنت وتميت ؟ قال الرجل : أنا أقدر أن أقتل ما عندي من مساجين وأقدر ألا أقتلهم ، فالذي لم أقتله كأنني أحييته ، والذي قتلته فقد أمته . ولم يقل سيدنا إبراهيم لنتفق أولا ما الحياة ؟ وما الموت ؟ ذلك أن إبراهيم خليل الرحمن لم يشأ أن يطيل هذه المجادلة ، فجاء له بأمر يلجمه من البداية وينتهى الجدل ، فقال له : « فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ » . وهكذا أنهى سيدنا إبراهيم هذا الجدل . كان من الممكن أن يدخل معه سيدنا إبراهيم في جدل ، ويقول له : ما هي الحياة ؟