محمد متولي الشعراوي
1120
تفسير الشعراوي
مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 ) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) ( سورة يوسف ) فهل كان سيدنا يوسف في ملة القوم الكافرين ثم تركها ؟ لا ، إنه لم يدخل أساسا إلى ملة القوم الذين لا يؤمنون باللّه . إن هذه الملة كانت أمامه ، لكنه تركها ورفض الدخول فيها وتمسك بملة إبراهيم عليه السّلام . وفي التعبير ما فيه من تأكيد حرية الاختيار . وهناك آية أخرى يقول فيها الحق : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 70 ) ( سورة النحل ) إن معنى الآية أن اللّه قد خلقنا جميعا ، وقدر لكل منا أجلا ، فمنا من يموت صغيرا ، ومنا من يبلغ أرذل العمر ، فيعود إلى الضعف وتقل خلايا نشاطه فلا يعلم ما كان يعلمه . وليس معنى الآية أن الإنسان يوجد في أرذل العمر ثم يرد إلى الطفولة . وعندما يقول الحق : « وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ » فالحق أورد هنا كلمة أولياء عن الطاغوت ، لأن الطاغوت كما قلنا : ألوان متعددة ، الشيطان طاغوت ، والدجال طاغوت ، والساحر طاغوت . وجاء الحق بالخبر مفردا وهو الطّاغوت لمبتدأ جمع وهو أولياء ، ووصف هؤلاء الأولياء للطاغوت بأنهم يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات . لقد أفرد اللّه الطاغوت وأورد بالجمع الأفراد الذين ينقلهم الطاغوت إلى الظلمات . ولماذا لم يقل اللّه هنا : « طواغيت » بدلا من طاغوت ؟ إن الطاغوت كلمة تتم معاملتها هنا كما نقول : « فلان عدل » أو « الرجلان عدل » أو « الرجال عدل » . وعلى هذا القياس جاءت كلمة طاغوت ، فالشيطان والدجال والكاهن