محمد متولي الشعراوي
1115
تفسير الشعراوي
والغى - أيضا - هو ضلال الطريق ، فعندما يسير إنسان في الصحراء ويضل الطريق يقال عنه : « فلان قد غوى » أي فقد الاتجاه الصحيح في السير ، وقد يتعرض لمخاطر جمة كلقاء الوحوش وغير ذلك . ويوضح لنا الحق طريق الرشد بمنطوق آخر في قوله الحق : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً ( 10 ) ( سورة الجن ) إن الجن قد ظنوا كما ظن بعض من معشر الإنس أن اللّه لن يبعث أحدا بعد الموت أو لن يرسل رسولا من البشر لهداية الكون . وقد طلب الجن بلوغ السماء فوجدوها قد ملئت حرسا من الملائكة وشهبا محرقة . وإن الجن لا يعلمون السر في حراسة السماء وهل في ذلك شرّ بالبشر أو أراد اللّه بهم خيرا وهدى . إذن فالرّشد - بضم الراء وتسكين الشين - - والرشد بفتح الراء وفتح الشين - كلاهما يوضح الطريق الموصل للنجاة . ويقابل الرشد الغىّ . ويتابع الحق : « فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى » أولا : نلحظ أن الحق هنا قد قدم الكفران بالطاغوت ، ثم جاء بالإيمان باللّه ؛ لأن الأمر يتطلب التخلية أولا والتحلية ثانيا ، لا بد أن يتخلى الإنسان من الطاغوت ، فلا يدخل على أنه يؤمن باللّه وفي قلبه الطاغوت ، فنحن قبل أن نكوى الثوب نغسله وننظفه ، التخلية قبل التحلية . وما هو « الطاغوت » ؟ إنه من مادة « طغى » ، وكلمة « طاغوت » مبالغة في الطغيان . لم يقل : طاغ ، بل طاغوت ، مثل جبروت ، والطاغوت إما أن يطلق على الشيطان ، وإما أن يطلق على من يعطون أنفسهم حق التشريع فيكفّرون وينسبون من يشاءون إلى الإيمان حسب أهوائهم ، ويعطون أشياء بسلطة زمنية من عندهم ، ويطلق أيضا على السحرة والدجالين ، ويطلق على كل من طغى وتجاوز الحد في أي شئ ، فكلمة « طاغوت » مبالغة ، وقد تكون هذه المبالغة متعددة الألوان ، فمرة يكون الطاغي شيطانا ، ومرة يكون الطاغي كاهنا ، ومرة يكون ساحرا أو دجالا ، ومرة يكون حاكما .