محمد متولي الشعراوي

826

تفسير الشعراوي

ويقولون : لا ، الإسلام إنما جاء بقتال الدفاع فقط . نقول لهؤلاء : قتال الدفاع عمن ؟ هل دفاع عمن آمن فقط ؟ أم عن مطلق إنسان نريد أن ندفع عنه ما يؤثر في اختيار دينه ؟ هو دفاع أيضا ، وسنسميه دفاعا ، ولكنه دفاع عمن آمن ، ندفع عنه من يعتدى عليه ، وأيضا عمّن لم يؤمن ندفع عنه من يؤثر عليه في اختيار دينه لنحمى له اختياره ، لا لنحمله على الدين ، ولكن لنجعله حرا في الاختيار ؛ فالقوى التي تفرض على الناس دينا نزيحها من الطريق ، ونعلن دعوة الإسلام ، فمن وقف أمام هذه الدعوة نحاربه ؛ لأنه يفسد على الناس اختيار دينهم ، وفي هذا أيضا دفاع . « وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ » لأنكم أحرى وأجدر أن تحترموا تحريم اللّه للمسجد الحرام ، لكن إذا هم اجترأوا على القتال في المسجد الحرام فقد أباح سبحانه لكم أيها المسلمون أن تقاتلوهم عند المسجد الحرام ما داموا قد قاتلوكم فيه . « فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ . فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . وما أسمى هذا الدين . إننا لا نؤاخذهم بعد أن انتهوا إلى الإيمان بما قدمت أيديهم من الاجتراء على أهل الإيمان ما داموا قد آمنوا ، ولذلك نرى عمر بن الخطاب وقد مر على قاتل أخيه زيد ابن الخطاب : وأشار رجل وقال : هذا قاتل زيد . فقال عمر : وماذا أصنع به وقد أسلم ؟ لقد عصم الإسلام دمه . لقد انتهت المسألة بإسلامه ، فالإيمان باللّه أعز على المؤمن من دمه ومن نفسه ، وحين يؤمن فقد انتهت الخصومة . وهذا وحشى قاتل حمزة ، يقابله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكل ما يصنعه رسول اللّه هو أن يزوى وجهه عنه ، لكنه لا يقتله ولا يثأر منه . وهند زوجة أبي سفيان التي أكلت كبد حمزة ، أسلمت وانتهت فعلتها بإسلامها . إذن فالإسلام ليس دين حقد ولا ثأر ولا تصفية حسابات ، فإذا كان الدم يغلى في مواجهة الكفر ، فإن إيمان الكافر بالإسلام يعطيه السلامة ، هذا هو الدين .