محمد متولي الشعراوي

824

تفسير الشعراوي

أي شردهم حيث تجدهم . ويقول الحق : « وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ » أي لا تقولوا إنهم أخرجوكم من هنا ، وإنما أخرجوهم من حيث أخرجوكم ، أي من أي مكان أنتم فيه ، وعند ذلك لن تكونوا معتدين . وقوله تعالى : « وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ » يذكرنا بمنطق مشابه في آية أخرى منها قوله تعالى : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ( من الآية 126 سورة النحل ) وقوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ( من الآية 40 سورة الشورى ) وعندما نبحث في ثنايا هذه النصوص « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » قد يرد هذا الخاطر : أخذت حقي ممن أساء إلىّ ، وانتقمت منه بعمل يماثل العمل الذي فعله معي ، هل يقال : إنني فعلت سيئة ؟ وحتى نفهم المسألة نقول : الحق سبحانه وتعالى يأتي في بعض الأحايين بلفظ « المشاكلة » وهي ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ، ومثل ذلك قوله : « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ » ، إن اللّه لا يمكر ، وإنما اللفظ جاء للمشاكلة ، أو أن اللفظ الكريم قد جاء في استيفاء حقك بكلمة « سَيِّئَةٌ مِثْلُها » لينبهك إلى أن استيفاء حقك بمثل ما صنع بك يعتبر سيئة إذا ما وازناه بالصفح والعفو عن المسىء ، يشير إلى ذلك سبحانه في نهاية هذه الآية بقوله : « فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » وبمثل ذلك كان ختام الآية السابقة « وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ » . ويقول الحق : « وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ » ، والفتنة مأخوذة من الأمر الحسى ، فصائغ الذهب يأخذ قطعة الذهب فيضعها في النار فتنصهر . فإذا ما كان يشوبها معدن غريب عن الذهب فهو يخرج ويبقى الذهب خالصا ، فكأن الفتنة ابتلاء واختبار ، وقد فعل المشركون ما هو أسوأ من القتل ، فقد حاولوا من قبل أن يفتنوا المؤمنين في دينهم بالتعذيب ، فخرج المؤمنون فرارا بدينهم .