محمد متولي الشعراوي
803
تفسير الشعراوي
ومن حبنا لهؤلاء الناس نقول لهم : تداركوا أمر أنفسكم فلن تخدعوا اللّه في أنكم تجمعون المال الحرام ، وبعد ذلك تخرجون منه الصدقات ، إن اللّه لن يقبل منكم عملكم هذا ؛ لأن اللّه طيب لا يقبل إلا الطيب . ونحن نسمع عن كثير من المنحرفين في الحياة يذهبون للحج ، ويقيمون مساجد ويتصدقون ، وكل ذلك بأموال مصدرها حرام ، ولهؤلاء نقول : إن اللّه غى عن عبادتكم ، وعن صدقاتكم الحرام ، وننصحهم بأن اللّه لا ينتظر منكم بناء بيوت له من حرام أو التصدق على عباده من مال مكتسب بغير حلال ، لكنه سبحانه يريد منكم استقامة على المنهج . وحين نتأمل الآية نجد فيها عجبا ، يقول اللّه عز وجل : « وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ » لقد ذكر الحق الحكام في الآية ؛ لأن الحاكم هو الذي يقنن ويعطى مشروعية للمال ولو كان باطلا ، وقوله سبحانه : « تدلوا » مأخوذة من « أدلى » ، ونحن ندلى الدلو لرفع الماء من البئر و « دلاه » : أي أخرج الدلو ، أما « أدلى » : فمعناها « أنزل الدلو » . ولذلك في قصة الشيطان الذي يغوى الإنسان قال الحق : فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ( من الآية 22 سورة الأعراف ) « وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ » أي ترشوا الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالباطل ، ومن العجيب أن هذا النص بعينه هو نص الرشوة . والرشوة مأخوذة من الرّشاء ، والرّشاء هو الحبل الذي يعلق فيه الدّلو ، فأدلى ودلا في الرشوة . ولماذا يدلون بها إلى الحكام ؟ إنهم يفعلون ذلك حتى يعطيهم الحكام التشريع التقنينى لأكل أموال الناس بالباطل ، وذلك عندما نكون محكومين بقوانين البشر ، لكن حينما نكون محكومين بقوانين اللّه فالحاكم لا يبيح مثل هذا الفعل . ولذلك وضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذا المبدأ فقال : « إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحب أنه صادق فأقضى له