محمد متولي الشعراوي
782
تفسير الشعراوي
القرب ؟ إن الحق يقول : « أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ » ولكن ما الشروط اللازمة لذلك ؟ لقد قال الحق : « وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي » ونعرف أن فيه فرقا بين « عبيد » و « عباد » ، صحيح أن مفرد كل منهما « عبد » ، لكن هناك « عبيد » و « عباد » ، وكل من في الأرض عبيد للّه ، ولكن ليس كل من في الأرض عباد للّه ، لماذا ؟ لأن العبيد هم الذين يقهرون في الوجود كغيرهم بأشياء ، وهناك من يختارون التمرد على الحق ، لقد أخذوا اختيارهم تمردا ، لكن العبد هم الذين اختاروا الانقياد للّه في كل الأمور . إنهم منقادون مع الجميع في أن واحدا لا يتحكم متى يولد ، ولا متى يموت ، ولا كيف يوجد ، لكن العباد يمتازون بأن الأمر الذي جعل اللّه لهم فيه اختيارا قالوا : صحيح يا رب أنت جعلت لنا الاختيار ، وقد اخترنا منهجك ، ولم نترك هوانا ليحكم فينا ، أنت قلت سبحانك : « افعل كذا » و « لا تفعل كذا » ونحن قبلنا التكليف منك يا رب . ولا يقول لك ربك : « افعل » إلا إذا كنت صالحا للفعل ولعدم الفعل . ولا يقول لك : « لا تفعل » إلا إذا كنت صالحا لهذه ولهذه . إذن فكلمة « افعل » و « لا تفعل » تدخل في الأمور الاختيارية ، والحق قد قال « افعل » و « لا تفعل » ثم ترك أشياء لا يقول لك فيها « افعل » و « لا تفعل » ، فتكون حرا في أن تفعلها أو لا تفعلها ، اسمها « منطقة الاختيار المباح » ، فهناك اختيار قيّد بالتكليف بافعل ولا تفعل ، واختيار بقي لك أن تفعله أو لا تفعله ولا يترتب عليه ضرر ؛ فالذي أخذ الاختيار وقال : يا رب أنت وهبتنى الاختيار ، ولكنني تركت لك يا واهب الاختيار أن توجه هذا الاختيار كما تحب ، أنا سأتنازل عن اختياري ، وما تقول لي : « افعل » سأفعله ، والذي تقول لي : « لا تفعله » لن أفعله . إذن فالعباد هم الذين أخذوا منطقة الاختيار ، وسلموها لمن خلق فيهم الاختيار ، وقالوا للّه : وإن كنت مختارا إلا أنني أمنتك على نفسي . إن العباد هم الذين ردوا أمر الاختيار إلى من وهب الاختيار ويصفهم الحق بقوله :