محمد متولي الشعراوي
779
تفسير الشعراوي
وكذلك إن جاء من يفطر في رمضان لأنه مريض أو على سفر ، نقول له : استتر ، حتى لا تكون أسوة سيئة ؛ لأن الناس لا تعرف أنك مريض أو على سفر ، استتركى لا يقول الناس : إن مسلما أفطر . ويقول الحق : « وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ » فمعناها كي لا تفوتكم أيام من الصيام . انظروا إلى دقة الأداء القرآني في قوله : « وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . إن العبادة التي نفهم أن فيها مشقة هي الصيام وبعد ذلك تكبرون اللّه ؛ لأن الحق سبحانه عالم أن عبده حين ينصاع لحكم أراده اللّه وفيه مشقة عليه مثل الصوم ويتحمله ، وعندما يشعر بأنه قد انتهى منه إنه سبحانه عالم بأن العبد سيجد في نفسه إشراقا يستحق أن يشكر اللّه الذي كلفه بالصوم ووفقه إلى أدائه ؛ لأن معنى « وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ » يعنى أن تقول : « اللّه أكبر » وأن تشكره على العبادة التي كنت تعتقد أنها تضنيك ، لكنك وجدت فيها تجليات وإشراقات ، فتقول : اللّه أكبر من كل ذلك ، اللّه أكبر ؛ لأنه حين يمنعني يعطيني ، وسبحانه يعطى حتى في المنع ؛ فأنت تأخذ مقومات حياة ويعطيك في رمضان ما هو أكثر من مقومات الحياة وهو الإشراقات التي تتجلى لك ، وتذوق حلاوة التكليف وإن كان قد فوت عليك الاستمتاع بنعمة فإنه أعطاك نعمة أكثر منها . وبعد ذلك فالنسق القرآني ليس نسقا من صنع بشر ، فنحن نجد أن نسق البشر يقسم الكتاب أبوابا وفصولا ومواد كلها مع بعضها ، ويفصل كل باب بفصوله ومواده ، وبعد ذلك ينتقل لباب آخر ، لكن اللّه لا يريد الدين أبوابا ، وإنما يريد الدين وحدة متكاتفة في بناء ذلك الإنسان ، فيأتي بعد قوله : « وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ » ب « وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » ومعنى ذلك أنكم سترون ما يجعلكم تنطقون ب « اللّه أكبر » ؛ لأن اللّه أسدى إليكم جميلا ، وساعة يوجد الصفاء بين « العابد » وهو الإنسان و « المعبود » وهو الرب ، ويثق العابد بأن المعبود لم يكلفه إلا بما يعود عليه بالخير ، هنا يحسن العبد ظنه بربه ، فيلجأ إليه في كل شئ ، ويسأله عن كل شئ ، ولذلك جاء هنا قول الحق :