محمد متولي الشعراوي

761

تفسير الشعراوي

فإصلاح ذلك الإثم أمر واجب . وهذه هي دقة التشريع القرآني الذي يشحذ كل ملكات الإنسان لتتلقى العدل الكامل . والحق عالج قضية التشريع للبشر في أمر القصاص باستثماره كل ملكات الخير في الإنسان حين قال : « فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ » . إنه ليس تشريعا جافا كتشريع البشر . إنه تشريع من الخالق الرحيم العليم بخبايا البشر . ويستثير الحق في البشر كل نوازع الخير ، ويعالج كذلك قضية تبديل الوصية التي وصى بها الميت بنفسه ، فمن خالف الوصية التي أقيمت على عدالة فله عقاب . أما الذي يتدخل لإصلاح أمر الوصية بما يحقق النجاة للميت من الجنف أي الحيف غير المقصود ولكنه يسبب ألما ، أو يصلح من أمر وصية فيها إثم فهذا أمر يريده اللّه ولا إثم فيه ويحقق اللّه به المغفرة والرحمة . وهكذا يعلمنا الحق أن الذي يسمع أو يقرأ وصية فلا بد أن يقيسها على منطق الحق والعدل وتشريع اللّه ، فإن كان فيه مخالفة فلا بد أن يراجع صاحبها . ولنا أن نلحظ أن الحق قد عبر عن إحساس الإنسان بالخوف من وقوع الظلم بغير قصد أو بقصد حين قال : « فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . إن كلمة « خافَ » عندما تأتى في هذا الموضع تدل على الوحدة الإيمانية في نفوس المسلمين . إن المؤمن الذي يتصدى لإصلاح من هذا النوع قد يكون غير وارث ، ولا هو من الموصى لهم ، ولا هو الموصى ، إنما هو مجرد شاهد ، وهذه الشهادة تجعله يسعى إلى التكافل الإيمانى ؛ فكل قضية تمس المؤمن إنما تمس كل المؤمنين ، فإن حدث جنف فهذا يثير الخوف في المؤمن لأن نتيجته قد تصيب غيره من المؤمنين ولو بغير قصد ، وهكذا نرى الوحدة الإيمانية . إن الإيمان يمزج المؤمنين بعضهم ببعض حتى يصيروا كالجسد الواحد إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى . ولهذا فعندما يتدخل المؤمن الذي لا مصلحة مباشرة له في أمر الإرث أو الوصية ليصلح من هذا الأمر فإن الحق يثيبه بخير الجزاء .