محمد متولي الشعراوي
756
تفسير الشعراوي
والحق يورد هنا أمرا يخص الوصية فيقول سبحانه : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 ) ( سورة البقرة ) وهنا نجد شرطين : الشرط الأول : يبدأ ب « إذا » وهي للأمر المتحقق وهو حدوث الفعل . والموت أمر حتمي بالنسبة لكل عبد ، لذلك جاء الحق بهذا الأمر بشرط هو « إذا » ، فهي أداة لشرط وظرف لحدث . والموت هو أمر محقق إلا أن أحدا لا يعرف ميعاده . والشرط الثاني يبدأ ب « إن » وهي أداة شرط نقولها في الأمر الذي يحتمل الشك ؛ فقد يترك الإنسان بعد الموت ثروة وقد لا يترك شيئا ، ولذلك فإن الحق يأمر العبد بالوصية خيرا له لماذا ؟ لأن الحق يريد أن يشرع للاستطراق الجماعي ، فبعد أن يوصى الحق عباده بأن يضربوا في الحياة ضربا يوسع رزقهم ليتسع لهم ، ويفيض عن حاجتهم ، فهذا الفائض هو الخير ، والخير في هذا المجال يختلف من إنسان لآخر ومن زمن لآخر . فعند ما كان يترك العبد عشرة جنيهات في الزمن القديم كان لهذا المبلغ قيمة ، أما عندما يترك عبد آخر ألف جنيه في هذه الأيام فقد تكون محسوبة عند البعض بأنها قليل من الخير ، إذن فالخير يقدر في كل أمر بزمانه ، ولذلك لم يربطه اللّه برقم . إننا في مصر - مثلا - كنا نصرف الجنيه الورقى بجنيه من الذهب ويفيض منه قرشان ونصف قرش ؛ أما الآن فالجنيه الذهبي يساوى أكثر من مائتين وخمسين جنيها ؛ لأن رصيد الجنيه المصري في الزمن القديم كان عاليا . أما الآن فالنقد المتداول قد فاق الرصيد الذهبي ، لذلك صار الجنيه الذهبي أغلى بكثير جدا من الجنيه الورقى . ولأن الإله الحق يريد بالناس الخير لم يحدد قدر الخير أو قيمته ، وعندما يحضر الموت الإنسان الذي عنده فائض من الخير لا بد أن يوصى من هذا الخير . ولنا أن